لطفي جعفر أمان
أغنية المقاومة و نشيد الحرية
( مقاربة سيميائية لديوان الدرب الأخضر)
نبيل سعيد مطبق
Nb338622@gmail.com
إن نصوص ديوان ( لطفي جعفر أمان ) الموسوم بـ (الدرب الأخضر) تتعالق بشكل واضح مع الدلالات المتعددة التي يتضمنها معنى الاخضرار بوصفه ( لونا ) أو (مفهوما) أو(إشارة) فاعلة في وسط ثقافي معين,فإذا تأملنا نص قصيدة (يابلادي).نجد أن هذا النص يتعالق مع قصيدة ( غزو الفضاء ) من خلال الكلمات (اقفزي_استقلي_قمة_الشهب_الكوكب_السحب ) , و هذا التعالق بين النصيين ممثلا في مخاطبة الوطن بالنهوض والتطلع للأمام,والرغبة الجامحة في غزو الفضاء لا يتأتى إلا في إطار الجو المكسوٍ بالاخضرار الذي يحيل هنا إلى دلالات(الثورة_الحرية_العلم) ، فيقول :Nb338622@gmail.com
اقفزي من قمة الطور لأعلى الشهب
وادفعي في موكب النور مطايا السحب
واستقلي كوكبا يزهو بأسنى موكب
في هذه الأسداد من أرضنا
يدفق بالأمجاد تاريخنا
فتغسل الأضواء افاقنا
وتنتشي غناء أيامنا
وكلنا معزوفة خضراء عن مجدنا
ونلحظ أيضا اتصال دلالة (الاخضرار)مع دلالات:(الفجر_الحرية_الشرق_الجدة)في نص(الشرق الجديد) عندما يبزغ فجر الحرية,فتزهو الحقول الخضراء التي أغرقها الطامعون في(وحل و نار),إذ جاء في النص:
لشرق قد أضحى حقيقة
ويشق وثابا طريقة
و يمد عبر غد إلى الأجيال مؤتلقا شروقه.
و ُيفرش الدرب الأخضر طريقا معبدا عند آخر عتبات المعاناة و مآسي الزمن في نص ( إلى طفلي جهاد ), و هو عبارة عن رسالة شعرية كتبها الشاعر لنجله ( جهاد ) ، مخاطبا إياه أن الحياة كفاح,وأن الأعاصير قد تزأر في الدروب والعتبات الخضر,لكن النتيجة الحتمية هي(الدرب الأخضر),إذ نرى الدلالات تتواشج مع دلالة ( الاخضرار ) من خلال الكلمات الآتية: (الحياة_النور_الضحك_اللحن_العتبات الخضر_الثوب...إلخ) , و لكن بطريقة مختلفة كأن النص يريد أن ينفي صفة الكمال عن الدروب الخضراء.
إذ نلحظ عددا من العبارات النافية لهذة الصفة :ـ
( تزأر الأعاصير في الدرب ـ ويدوي دويها المجتاح ـ الدخان ـ العتمة الحمراء ، الجوع الكافر ، الموكب الموتور ، البطش ، الوحول السوداء ، الثكالى ، القبورالمهدمات 000 إلخ )
و تأكيدا لهذا المعنى يختتم النص بهذة الطريقة : (ستريك الحيا ة / في كل ثوب ترتديه / ان الحياة كفاح) ، و يتعالق هذا النص مع نصوص اخرى هي: ( يابلادي -غزو الفضاء -الشرق الجديد ) و غيرها ، من جهة النتيجة النهائية التي تصب في مجراها مجمل هذه الإشارات الخضراء.
و من وجه( طفل متسول ) تتسلل الخضرة من بين تضاريس هذا النص الشاحب المفعم بالبراءة,والمختزل لآلام وعذابات وطن بأكمله , تتسل هذه الخضرة مبددة كل التجاعيد التي حفرها الزمن على محيط الأرض البكر , مبتسمة للساعة الخضراء , و مبشرة بعودة النضرة إلى وجه الحياة.
إذ نرى في هذا النص هذه المعاني مجسدة في:
(وطني الكبير_الوجه المحزون_مواكب الأحرار_ياجرح أغنية حزينة_الوطن المقدس_الكرامة_العزّة_الكبرياء)،ويختتم النص بمخاطبة ذلك الطفل المتسول_والنص كله خطاب له_بالأبيات الآتية :
لا يا صغيري... لا يا صغيري
أنا لا أريد أن تكون رمزا لما ضينا اللّعين.
فلأنت يا طفلي الصغير... وطني الكبير
وطني بأوسع منتهاه.. وطني المقدس في كرامته وعزّة كبرياه
وفي النص الموسوم بـ( غريب ) تتضح علاقة العنوان بالعنوان ( الأم ) ( الدرب الأخضر) من جهة أن الغربة تتصل بمعاني ( المعاناة_الصبر_الوحدة_الضياع_الصحراء) , و هي نوع من أنواع النضال والاستبسال الذي تأتي حصيلته مخضرة بعدما رويت بعرف الأسفار,وعولجت بسماد الوحدة,فكيف لاتبزغ السنابل الخضر فجرا من ألق عظيم؟
ولأي الدروب يزجي بي الصوت..ملجا مطلسما أسراره
آه لو لم يفتق الفجر أجفاني وتلمح طفولتي أنواره
ولعل الصورة ذاتها تتكرر في نص آخر بعنوان(غريبان):
نفض المساء ستارنا فذتي
فترنحت في رعدة الهطل
وتعلقت والسلك يجذبها
بذراع منحل القوى كهل.
وهنا يتمالق النص مع العنوان الأم( الدرب الأخضر) من خلال :( خفلي جهاد_سيارتي الخضراء_قلبي_حضني_سمائي_بسماتك_البيضاء_أفراح السنين_الأعياد تغني_يغمرني الضياء_مستقبل ضافي الرجاء).
ومن النص:
وأعود مشتاقا إليك×أعود مجنونا إليك
سيارتي الخضراء تلهث في الطريق×وتطير تبتلع الطريق
وتكار تقذف بي وتلقي بي لديك.
والناس والحربات تزحم جانبية
ومدى الطريق وساعتي يتضاربان بناظريه
أخشى عليك.
وماخشيت على(القيادة)في يديه.. أخشى عليك وأنت ضامرة حزينة
أخشى عليك معاول الحمى اللعينة..ويطيربي شك مريع
شك جنوني مريع.. لاأدري هل نارا تسيل به عروقي.
أم صقيع ..
الليل يسعل... يسعل الليل المريض
في صدره المسلول تختنق الخرائب والطول.
موطني عابق الأردان بالحسن الموشى يتبرج
بالضياء الأخضر المسحور فيه يتموج
أيها التاريخ مذ كانت حياة وابتداء
ياعبرة عبر الزمان
يانابضا في كل آن / كم مرة تبعث نفسك
لتعبد في الأيام أمسك/كم مرة في إش مرة
عظة تعيد لنا وعبرة
.وتؤكد النصوص في الديوان أن الدرب الأخضر ليس وهما.بل هو حقيقة تجليها الخطوات الثابتة على طريق الحرية والمبادئ الراسخة من النفس السردي المسيطر على نص(أنالست وهما),إذ تستخدم أدوات فنية عدة,لتأكيد هذه الحقيقة,ومنها:أسلوب النفي(أنالست وهما_ولاأنة_ولادمعة_ولاحلما)وأسلوب الإثبات(أنا حقيقة_ومازلت أسمع خفقة قلبي_ومازلت أصنع تاريخ صندي الشعوب).
ومن هذه الأدوات أيضا,دينا ميكية الأفعال:
(صنعت_خضت_كنت_أنفض_أزرع_أنوح_أبكي)وغيرها,كل هذا يتصل بالنبع الصافي لهذا الدرب الأخضر الذي لاتذبل وروده.
.وفي نص(السلم والحرب)يتم التعالق عبر ثنائية متضادة,فالدرب الأخضر هو لغة السلام الأولى,وعطر الهواء السماوي وابتسامة البلاد والبكر,لكنه في حالة الحرب حصيلة معركة قد وبين الجيوش والأرض التي تغضب وتصرخ في وجه الطغاة(أنالك قبر),فتنتصر رافعة رايتها الفراء على الدروب الخضراء.
وفي لحظة من لحظات السمو الصوفي نرى الدرب الأخضر يتجلى في علاقة وطيدة مع الخالق من خلال نص(الطريق إلى الله)الذي تبدو الكلمات على هذا النحو:
(القلب_الشغاف_الأصداء_العواطف_الشك_الخلود_الموت_ال روح_الضياء_
الإسراء_المسرى_الأستار...إلخ)
إنه الله في غياهب نفسي×عاصفا ينفض النهى جبارا
أين؟ أين؟ فهز عمقي صوت×نفض القيد عن ظنوني وثارا
ههنا في معابد القلب في مسرى×تجليك..فارفع الأستارا
واغتسل بالضياء من منبع الفجر×ترالله في الوجود جهارا


تعليق