"أنواع النشاط النقدي وتاريخه"
مرحبا بكم أيها القراء الأعزاء، وزوار المنتدى الكرام، في هذا
الموضوع أرغب بتوضيح بعض أشياء سوف تساعد كثيرا من يرغب في خوض
المجال النقدي، أو من يحب قراءته ومطالعته، هذه الأشياء
هي: @@@{ أنواع النشاط النقدي }@@@
وذلك لأن الكثير يعتقد أن النشاط النقدي نوعا واحدا، وأن كل ما
يكتب عن الأعمال الأدبية هو نقد، ولكن أحيانا يجد المرء شيئا يعتقد
البعض أنها نقد بينما هي لا تمت للنقد بصلة ، إنها أحد أنواع
النشاط النقدي لكنها لا ترقى لكلمة : النقد، وسيتضح ذلك من
خلال قراءتي هنا:
أولا: التقريظ: من النشاطات النقدية القديمة جدا، ولكنها كثرت في
العالم العربي مع أوائل القرن التاسع عشر، مع انتشار المطابع
بعد تعرف العالم العربي عليها من خلال الحملة الفرنسية في مصر
ـــ ملحوظة: في أغلب ما سأقدمه لن أتحدث كثيرا عن المغرب العربي
لقلة ما عندي من معلومات عنه لذا أرجو من الأساتذة الكرام الذين عندهم
معرفة تاريخية حول ذلك افادتنا بتوضيحاتهم ـ والتقريظ هو ما يعرف
حاليا بالتقديم، وفيه يقدم شخص له ثقل ووزن أدبي أو علمي شخصا
آخر يكون مبتدئا غالبا، أو يكون تقديمه من باب الإقرار له
بالتفوق الكبير، مثل تقديم هيكل لديوان الشوقيات، وكلا الإثنين من
القامات الأدبية الشامخة، لكن كان من النادر في وقتها أن يخرج
كتاب دون تقريظ، وقد كان يعتبر هذا التقريظ في وقتها النشاط
النقدي الأكثر رواجا، لعدم وجود مجال آخر لتقديم النقد، سواء
في كتب مخصصة ــ بعكس ما كان السابق في ثقافتنا العربية الذي
كانت تخصص فيه كتب كاملة للنقد الأدبي رغم صعوبة الكتابة والطباعة
في وقتها ــ أو في مجلات أدبية متخصصة.
ثانيا: المناظرات:
وهو نشاط ظهر في مرحلة لاحقة للتقريظ، والتقريظ كان موجودا
منذ القرن الثامن عشر، أما المناظرات فقد نشطت مع الصالونات
الأدبية التي كانت ترعاها سيدات مجتمع بتعبير العصر الحديث، مثل مي زيادة
وبعض أميرات القصر وخلافه، والمناظارت كانت تحدث عندما ينتهي أديب
من تقديم عمل أدبي ما ، فيحضر إلى أحد الصالونات المشهورة،
وكان للرجال فيما بعد صالونات مشهورة أيضا مثل صالون العقاد
الذي كان يقام يوم الجمعة، وغيرها، فيقدم الأديب عمله، وبعدها
يدخل في مخاصمة مع الحاضرين، يلقون عليه أسئلتهم واستفساراتهم
وما لاحظوه من سلبيات، وقد كان هذا يتم في شكل مستفز عادة،
وكان على الأديب أن يثبت قوة رده، وبرهانه وقوة حجته ويقارع
الموجودين، وكأنها ساحة قتال، سبحان الله.
ثالثا: الانتقاد:
من منظوري أن نوعي النشاط السابقين: التقريظ والمناظرة لم يتركا
ظلالا كثيرة على خلفية النقد في ذهن القارئ العربي، لكن الانتقاد
ترك خلفية كبيرة جدا جدا، حتى أنني أحمله ــ بنسبة ما ـ مسئولية
تراجع التفكير النقدي لدي أغلب القراء والمثقفين والنقاد العرب،
لقد ظهر المصطلح جليا في عام 1867م ـ لمزيد من التوثيق التاريخي
راجع كتابي: متاهة النقد العربي المعاصر ـ وظهر في كتاب محمد سعيد
الذي نشر منجما ــ مفرقا ـ في مجلة روضة المدارس ، وكان عنوانه:
ارتياد السحر في انتقاد الشعر، ولاحظ معي أن ارتياد السحر من منطلق
أن البيان سحر كما يقول الحديث الشريف، وارتياد السحر به جانب
تعليمي، أي أن النقد في تلك الفترة كان يلتزم بدور تعريفي
تعليمي، وظيفة الناقد الأساسية في تلك الفترة كانت تعليم الأدباء
كيف يكون الأدب من ناحية، وايضاح أخطائهم والتوصية بتجنبها
من ناحية أخرى، وهو دور رغم أن البعض قد يرى له نفع كبير
إلا أنه يبدو دورا بدائيا وضعيفا جدا لما وضعه النقد لنفسه
من أهداف الآن.
على أية حال ظل هذا المصطلح وهذه الممارسة الانتقادية التي يتصيد
فيها الناقد الأخطاء للأديب ويتعسف ضده دائما مهيمنة لفترة طويلة،
وظهرت مجالات عديدة لممارسة هذا النوع من النقد، منها المجلات
التي حلت محل المجلات الأدبية المتخصصة في تلك الفترة مثل المقتطف والهلال
وغيرها، ومنها الكتب مثل كتاب منهل الوارد في علم الانتقاد
لقسطاكي الحمصي، والوسيلة الأدبية لحسين المرصفي، ويعتبر الوسيلة
الأدبية من أفضل الكتب الأدبية النقدية التي ظهرت في تلك الفترة،
وهو ملخص لمحاضرات الشيخ في دار العلوم.
رابعا: النقد:
لم يظهر مصطلح النقد الأدبي بمعناه المستقيم بشكل واضح إلا في كتاب
الديوان للعقاد والمازني، بل إن الكثير من النقاد يجعل من صدور
هذا الكتاب بداية للنقد الحقيقي في العالم العربي، وإن كان النقد
الذي جاء في الديوان كان به بعض التأكيدات على استمرار مفهوم
الانتقاد ــ تصيد الأخطاء ــ وسبب ذلك ما استخدمه العقاد مع شوقي
من انتقاد وتبيان للعيوب التي وردت في قصائده، وما استخدمه
المازني مع شكري في تبيان عيوبه أيضا، ولكن رغم ذلك كان كتاب
الديوان نقلة نوعية في مفهوم النقد الأدبي، لأن لأو مرة يتم
استخدام خصائض الأدب المعروفة في اللغة العربية: مثل علم اللغة
والنحو والصرف والبلاغة والعروض وخلافه، تلك الأشياء كانت تستخدم
كغاية في ذاتها، ليس وراءها إطار نظري يحرك الناقد أو الباحث
في دراسة العمل الأدبي، لكن مع مجيء أصحاب الديوان وانتشار
المدرسة الرومانسية في العالم العربي، بدء يتم استخدام هذه العلوم
في خدمة مجموعة من التوجهات مثل المذهب الفردي الرومانسي الوحدة
العضوية أو وحدة الغرض ومناجاة الطبيعة وغيرها مما تم دمجه تحت
مسمى المذهب الرومانسي في مصر من ليبرالية وغيره. وبذلك بدأ مفهوم
النقد الذي هو تمييز الجيد من الردئ باستخدام قرينة، بدأ يتوسع
مع توسع القرينة التي كانت فلسفية عادة.
خامسا: النقد الاجتماعي:
رغم أن اتجاه الواقعية كان موجودا في مصر منذ العشرينيات
والكثير من النقاد يرجع بداياته لرواية زينب لهيكل، إلا أنها
لم تتشكل كمنهج نقدي له ثقله الأكاديمي والفلسفي إلا مع لويس عوض،
ومحمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس، فعوض قدم ترجمته ودراسته
لبرومثيوس طليقا في عام 1947م وفيها قام بتحليل ماركسي اقتصادي
اجتماعي لأسباب الرومانسية الخاصة عند شيلي، ذلك الرومانسي
الثائر، علما بأن الرومانسي لا يكون ثائرا، وضروري أنبه أن
الرومانسية هناك خلط كثير في فهمها لدى الكثيرين بوصفها بديلا
للغزلية أو العاطفية ، علما بأنها تعني الانهزامية في مواجهة الحياة،
وفي الحب، فيهرب الرومانسي من مواجهة هزائمه للتفاعل مع الطبيعة
والكون، ولي لذلك عودة لأنه ليس مكانه الآن، المهم أن مع هذه
الدراسة ومع كتاب عبد العظيم أنيس والعالم: في الثقافة المصرية،
بدأت تطرح بقوة مفاهيم مجتمعية مثل الطبقة الاجتماعية، بدأ
المناداة بأن يكون الأدب سلاحا في مواجهة الفساد المجتمعي،
وأداة لنشر القيم النبيلة، ومن هنا كان الناقد يحلل النص
الأدبي في ضوء تلك المفاهيم، فيحلل العلاقات المجتمعية التي في النص،
وانعكاسات ذلك على الواقع، أو انعكاس الواقع به، وكان الأدب
الأمثل هو الذي يقدم نماذج للشخصيات الجيدة والرديئة مع فارق
التصوير، أما مذهب الفن للفن الذي قاده رشاد رشدي، أو
الوجودية التي قادها عبد الرحمن بدوي، فكلاهما لم يستطع الصمود
في مواجهة التيار الاجتماعي الذي كان يلقى تأييدا جماهيريا
واسعا قبل مجئ الثورة، وتأييدا رسميا بعد مجئ الثورة، واستمر
هذا النقد لفترة طويلة لقرابة الأربعين سنة في العالم العربي.
سادسا: النقد المأزوم:
تبدأ هذه الفترة مع الستينيات، ومن الغريب أن في تلك الفترة
كان هناك انفصالا تاما بين الحركة الأدبية والنقدية، كانت كل
واحدة منهما تتحرك في اتجاه، كان النقد يصر على التوجه
الاجتماعي وبشكل تعسفي قلت معه القيمة الفنية، أما الأدباء
أمثال أمل دنقل، صلاح عبد الصبور وصنع الله ابراهيم وغيرهم،
فقد كانوا يشعرون بحسهم الأدبي بوجود خلل كبير في الممارسات
السائدة، خلل سيؤدي لكارثة، وهو ما تجلي في أكثر من عمل،
مثل الناس في بلادي لصلاح عبد الصابور، والذي رد عليه النقاد
بعنف شديد، لأن وقت صدور القصيدة كان يبني السد العالي،
وكان عبد الصبور يتحدث عن حزن شديد وكأنه يرقب حدوث كارثة،
ومثل تلك الرائحة، ومثل ثرثرة فوق النيل لمحفوظ التي تتحدث عن
ضياع مصر وقرب انهيارها، ولكون الأديب مرآة الأحداث وضمير الأمم
المستبصر كانت تنبئات الكارثة عند الأدباء متجسدة في هزيمة 1967م،
والتي يعتبرها الكثيرون انهيارا للعالم العربي كله في مواجهة الغرب
بشكل عام،حتى على مستوى الأدب توقفت الروايات والأشعار لفترة
ثم عادت للظهور بقوة، حتى نزار قباني تراجع عن غزلياته
وبدأ يؤلف أشعاره السياسية الرهيبة، لقد كانت الشعوب العربية
أشبه بمن يحاول النهوض من رقادها، وكان الحكام يعملون بجهد على
إزالة أثار الهزيمة، ولكن الشئون العسكرية وقواعد السرية كانت
لا تسمح للحكام بالإفصاح عما يتم، فعاش المجتمع والأدباء حلقات
من الانفصال بين القومية والسلبية، بين التقدمية والرجعية،
ومع رحيل أغلب النقاد ذوي التوجه الاجتماعي ـ الذي لم يعد من
المقبول تواجدهم أصلا في الساحة الأدبية في ظل الأوضاع
ـ أصبحت الساحة خالية نقديا، وأصبح النقد في حالة أزمة
لا تتماشي مع ما يحدث في الأدب من تطور.
سابعا: النقد الحديث:
بعد انزياح وطئة 1967م بحرب أكتوبر، ورغم الاختلافات والصدامات
التي دخل فيها المثقفين والنقاد مع السادات بخصوص اتفاقيات السلام
والانفتاح الاقتصادي، إلا أن حركة نقدية قوية كانت تتشكل في
الواقع العربي، حركة قادها المبعوثون إلى الخارج، مثل عز الدين
إسماعيل، جابر عصفور ، محمد عنان، سمير سرحان، سهير القلماوي،
عبد الله الغذامي، عبد السلام المسدي، وغيرهم، وكان أهم ما يميز تلك
الحركة ما أسميته بانفتاح الأبعاد، كان المهم عندهم تجاوز الاتجاهات
الاجتماعية باتجاه ما استجد على الساحة الأدبية العالمية من نقد،
ونتيجة انفصال حركة الثقافة العربية عن الاطلاع عما هو لدى
الغرب منذ الأربعينيات، كان على النقاد أن ينقلوا الكثير والكثير،
الأسلوبية، والرمزية، والدادية، والسريالية ، والشكلية ,
والبنيوية ، والبنيوية التكوينية، والتفكيكية ، والهرمنيوطيقا ـ التأويلية ـ ،
والكولونيالية ـ نظرية ما بعد الاستعمار، ونظرية النص، والتناص،
حتى أن عبد الله الغذامي عنون كتابه: الخطيئة والتكفير : من البنيوية إلى التشريحية ،
ومن وإلى هذه لا يمكن أبدا أن يستقيما مع نظريتين متضادتين تماما،
أحدهما تحاول إثبات تعاضد وتماسك النص، والآخري تحاول أن تثبت تناقضه
مع ذاته، وعز الدين اسماعيل، قدم في مقال لا يتجاوز عشرين صفحة
من القطع الكبير مسيرة النقد الأدبي بين الوصفية والمعيارية منذ
أفلاطون إلى دريدا، وفي ظل هذا أصيب القارئ العربي الذي ضعفت
علاقته باللغة الأجنبية ـ بعكس جيل المثقفين السابق أيام العقاد
وطه حسين ومحمود أمين العالم ـ لم يفهم القارئ شيء، ولم يستطع
التواصل مع هذا، فلجأ لرد فعل طبيعي هو مواجهة تلك الحركات بما
تجسد لديه من معارف بسيطة، فكان أشبه بمن يواجه تنينا بسيف خشبي،
ولا أجانب الصواب إن قلت أن النقاد ولأسباب اجتماعية ثقافية
استباحوا جريمة الكتابة غير المفهومة، لقد كان يطلب منهم
أن يكتبوا في موضوعات لم تتكتمل معرفتهم بها بعد، ورغم هذا كانوا
يسودون العديد من الصفحات دون فهم حقيقي، وبخلط كبير أيضا.
وأعتقد أن تلك الفترة مسئولة عن انصراف القارئ عن متابعة
الناقد من ناحية، وأفقدته تواصله مع النقد من ناحية أخرى،
فأعاده موروثه الثقافي لمفاهيم التقريظ والانتقاد، والكثيرين
الآن إذا ما طلبت منهم كتابة النقد عن عمل أدبي ما يقدم لك
أخطاءه وعيوبه أو ملخصا لأفكاره وهذا ليس نقدا في الحقيقة.
وبعد لقد طال الموضوع وتشعب رغما عني، ورغم أني كنت أود التنبيه
إلى أن أغلب ما يقدم اليوم على أنه نقد لا يتجاوز كونه تقريظ
أو انتقاد، ورغم أني لم أتحدث عن النقد الحديث بشكله الصحيح بعد،
إلا أنني أعتقد أني قدمت مجموعة من المعلومات المهمة لكل من القارئ
والناقد والأديب ذلك الثلاثي الذي يمثل أضلاع الأدب في المفهوم الحديث،
وسوف أعود ,أكمل الموضوع إن شاء الله.
¯¨'*·~-.¸¸,.-~*' (شكر لكم) ¯¨'*·~-.¸¸,.-~*'
_________________
مع خالص تحياتي: وائل سيد عبد الرحيم
مرحبا بكم أيها القراء الأعزاء، وزوار المنتدى الكرام، في هذا
الموضوع أرغب بتوضيح بعض أشياء سوف تساعد كثيرا من يرغب في خوض
المجال النقدي، أو من يحب قراءته ومطالعته، هذه الأشياء
هي: @@@{ أنواع النشاط النقدي }@@@
وذلك لأن الكثير يعتقد أن النشاط النقدي نوعا واحدا، وأن كل ما
يكتب عن الأعمال الأدبية هو نقد، ولكن أحيانا يجد المرء شيئا يعتقد
البعض أنها نقد بينما هي لا تمت للنقد بصلة ، إنها أحد أنواع
النشاط النقدي لكنها لا ترقى لكلمة : النقد، وسيتضح ذلك من
خلال قراءتي هنا:
أولا: التقريظ: من النشاطات النقدية القديمة جدا، ولكنها كثرت في
العالم العربي مع أوائل القرن التاسع عشر، مع انتشار المطابع
بعد تعرف العالم العربي عليها من خلال الحملة الفرنسية في مصر
ـــ ملحوظة: في أغلب ما سأقدمه لن أتحدث كثيرا عن المغرب العربي
لقلة ما عندي من معلومات عنه لذا أرجو من الأساتذة الكرام الذين عندهم
معرفة تاريخية حول ذلك افادتنا بتوضيحاتهم ـ والتقريظ هو ما يعرف
حاليا بالتقديم، وفيه يقدم شخص له ثقل ووزن أدبي أو علمي شخصا
آخر يكون مبتدئا غالبا، أو يكون تقديمه من باب الإقرار له
بالتفوق الكبير، مثل تقديم هيكل لديوان الشوقيات، وكلا الإثنين من
القامات الأدبية الشامخة، لكن كان من النادر في وقتها أن يخرج
كتاب دون تقريظ، وقد كان يعتبر هذا التقريظ في وقتها النشاط
النقدي الأكثر رواجا، لعدم وجود مجال آخر لتقديم النقد، سواء
في كتب مخصصة ــ بعكس ما كان السابق في ثقافتنا العربية الذي
كانت تخصص فيه كتب كاملة للنقد الأدبي رغم صعوبة الكتابة والطباعة
في وقتها ــ أو في مجلات أدبية متخصصة.
ثانيا: المناظرات:
وهو نشاط ظهر في مرحلة لاحقة للتقريظ، والتقريظ كان موجودا
منذ القرن الثامن عشر، أما المناظرات فقد نشطت مع الصالونات
الأدبية التي كانت ترعاها سيدات مجتمع بتعبير العصر الحديث، مثل مي زيادة
وبعض أميرات القصر وخلافه، والمناظارت كانت تحدث عندما ينتهي أديب
من تقديم عمل أدبي ما ، فيحضر إلى أحد الصالونات المشهورة،
وكان للرجال فيما بعد صالونات مشهورة أيضا مثل صالون العقاد
الذي كان يقام يوم الجمعة، وغيرها، فيقدم الأديب عمله، وبعدها
يدخل في مخاصمة مع الحاضرين، يلقون عليه أسئلتهم واستفساراتهم
وما لاحظوه من سلبيات، وقد كان هذا يتم في شكل مستفز عادة،
وكان على الأديب أن يثبت قوة رده، وبرهانه وقوة حجته ويقارع
الموجودين، وكأنها ساحة قتال، سبحان الله.
ثالثا: الانتقاد:
من منظوري أن نوعي النشاط السابقين: التقريظ والمناظرة لم يتركا
ظلالا كثيرة على خلفية النقد في ذهن القارئ العربي، لكن الانتقاد
ترك خلفية كبيرة جدا جدا، حتى أنني أحمله ــ بنسبة ما ـ مسئولية
تراجع التفكير النقدي لدي أغلب القراء والمثقفين والنقاد العرب،
لقد ظهر المصطلح جليا في عام 1867م ـ لمزيد من التوثيق التاريخي
راجع كتابي: متاهة النقد العربي المعاصر ـ وظهر في كتاب محمد سعيد
الذي نشر منجما ــ مفرقا ـ في مجلة روضة المدارس ، وكان عنوانه:
ارتياد السحر في انتقاد الشعر، ولاحظ معي أن ارتياد السحر من منطلق
أن البيان سحر كما يقول الحديث الشريف، وارتياد السحر به جانب
تعليمي، أي أن النقد في تلك الفترة كان يلتزم بدور تعريفي
تعليمي، وظيفة الناقد الأساسية في تلك الفترة كانت تعليم الأدباء
كيف يكون الأدب من ناحية، وايضاح أخطائهم والتوصية بتجنبها
من ناحية أخرى، وهو دور رغم أن البعض قد يرى له نفع كبير
إلا أنه يبدو دورا بدائيا وضعيفا جدا لما وضعه النقد لنفسه
من أهداف الآن.
على أية حال ظل هذا المصطلح وهذه الممارسة الانتقادية التي يتصيد
فيها الناقد الأخطاء للأديب ويتعسف ضده دائما مهيمنة لفترة طويلة،
وظهرت مجالات عديدة لممارسة هذا النوع من النقد، منها المجلات
التي حلت محل المجلات الأدبية المتخصصة في تلك الفترة مثل المقتطف والهلال
وغيرها، ومنها الكتب مثل كتاب منهل الوارد في علم الانتقاد
لقسطاكي الحمصي، والوسيلة الأدبية لحسين المرصفي، ويعتبر الوسيلة
الأدبية من أفضل الكتب الأدبية النقدية التي ظهرت في تلك الفترة،
وهو ملخص لمحاضرات الشيخ في دار العلوم.
رابعا: النقد:
لم يظهر مصطلح النقد الأدبي بمعناه المستقيم بشكل واضح إلا في كتاب
الديوان للعقاد والمازني، بل إن الكثير من النقاد يجعل من صدور
هذا الكتاب بداية للنقد الحقيقي في العالم العربي، وإن كان النقد
الذي جاء في الديوان كان به بعض التأكيدات على استمرار مفهوم
الانتقاد ــ تصيد الأخطاء ــ وسبب ذلك ما استخدمه العقاد مع شوقي
من انتقاد وتبيان للعيوب التي وردت في قصائده، وما استخدمه
المازني مع شكري في تبيان عيوبه أيضا، ولكن رغم ذلك كان كتاب
الديوان نقلة نوعية في مفهوم النقد الأدبي، لأن لأو مرة يتم
استخدام خصائض الأدب المعروفة في اللغة العربية: مثل علم اللغة
والنحو والصرف والبلاغة والعروض وخلافه، تلك الأشياء كانت تستخدم
كغاية في ذاتها، ليس وراءها إطار نظري يحرك الناقد أو الباحث
في دراسة العمل الأدبي، لكن مع مجيء أصحاب الديوان وانتشار
المدرسة الرومانسية في العالم العربي، بدء يتم استخدام هذه العلوم
في خدمة مجموعة من التوجهات مثل المذهب الفردي الرومانسي الوحدة
العضوية أو وحدة الغرض ومناجاة الطبيعة وغيرها مما تم دمجه تحت
مسمى المذهب الرومانسي في مصر من ليبرالية وغيره. وبذلك بدأ مفهوم
النقد الذي هو تمييز الجيد من الردئ باستخدام قرينة، بدأ يتوسع
مع توسع القرينة التي كانت فلسفية عادة.
خامسا: النقد الاجتماعي:
رغم أن اتجاه الواقعية كان موجودا في مصر منذ العشرينيات
والكثير من النقاد يرجع بداياته لرواية زينب لهيكل، إلا أنها
لم تتشكل كمنهج نقدي له ثقله الأكاديمي والفلسفي إلا مع لويس عوض،
ومحمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس، فعوض قدم ترجمته ودراسته
لبرومثيوس طليقا في عام 1947م وفيها قام بتحليل ماركسي اقتصادي
اجتماعي لأسباب الرومانسية الخاصة عند شيلي، ذلك الرومانسي
الثائر، علما بأن الرومانسي لا يكون ثائرا، وضروري أنبه أن
الرومانسية هناك خلط كثير في فهمها لدى الكثيرين بوصفها بديلا
للغزلية أو العاطفية ، علما بأنها تعني الانهزامية في مواجهة الحياة،
وفي الحب، فيهرب الرومانسي من مواجهة هزائمه للتفاعل مع الطبيعة
والكون، ولي لذلك عودة لأنه ليس مكانه الآن، المهم أن مع هذه
الدراسة ومع كتاب عبد العظيم أنيس والعالم: في الثقافة المصرية،
بدأت تطرح بقوة مفاهيم مجتمعية مثل الطبقة الاجتماعية، بدأ
المناداة بأن يكون الأدب سلاحا في مواجهة الفساد المجتمعي،
وأداة لنشر القيم النبيلة، ومن هنا كان الناقد يحلل النص
الأدبي في ضوء تلك المفاهيم، فيحلل العلاقات المجتمعية التي في النص،
وانعكاسات ذلك على الواقع، أو انعكاس الواقع به، وكان الأدب
الأمثل هو الذي يقدم نماذج للشخصيات الجيدة والرديئة مع فارق
التصوير، أما مذهب الفن للفن الذي قاده رشاد رشدي، أو
الوجودية التي قادها عبد الرحمن بدوي، فكلاهما لم يستطع الصمود
في مواجهة التيار الاجتماعي الذي كان يلقى تأييدا جماهيريا
واسعا قبل مجئ الثورة، وتأييدا رسميا بعد مجئ الثورة، واستمر
هذا النقد لفترة طويلة لقرابة الأربعين سنة في العالم العربي.
سادسا: النقد المأزوم:
تبدأ هذه الفترة مع الستينيات، ومن الغريب أن في تلك الفترة
كان هناك انفصالا تاما بين الحركة الأدبية والنقدية، كانت كل
واحدة منهما تتحرك في اتجاه، كان النقد يصر على التوجه
الاجتماعي وبشكل تعسفي قلت معه القيمة الفنية، أما الأدباء
أمثال أمل دنقل، صلاح عبد الصبور وصنع الله ابراهيم وغيرهم،
فقد كانوا يشعرون بحسهم الأدبي بوجود خلل كبير في الممارسات
السائدة، خلل سيؤدي لكارثة، وهو ما تجلي في أكثر من عمل،
مثل الناس في بلادي لصلاح عبد الصابور، والذي رد عليه النقاد
بعنف شديد، لأن وقت صدور القصيدة كان يبني السد العالي،
وكان عبد الصبور يتحدث عن حزن شديد وكأنه يرقب حدوث كارثة،
ومثل تلك الرائحة، ومثل ثرثرة فوق النيل لمحفوظ التي تتحدث عن
ضياع مصر وقرب انهيارها، ولكون الأديب مرآة الأحداث وضمير الأمم
المستبصر كانت تنبئات الكارثة عند الأدباء متجسدة في هزيمة 1967م،
والتي يعتبرها الكثيرون انهيارا للعالم العربي كله في مواجهة الغرب
بشكل عام،حتى على مستوى الأدب توقفت الروايات والأشعار لفترة
ثم عادت للظهور بقوة، حتى نزار قباني تراجع عن غزلياته
وبدأ يؤلف أشعاره السياسية الرهيبة، لقد كانت الشعوب العربية
أشبه بمن يحاول النهوض من رقادها، وكان الحكام يعملون بجهد على
إزالة أثار الهزيمة، ولكن الشئون العسكرية وقواعد السرية كانت
لا تسمح للحكام بالإفصاح عما يتم، فعاش المجتمع والأدباء حلقات
من الانفصال بين القومية والسلبية، بين التقدمية والرجعية،
ومع رحيل أغلب النقاد ذوي التوجه الاجتماعي ـ الذي لم يعد من
المقبول تواجدهم أصلا في الساحة الأدبية في ظل الأوضاع
ـ أصبحت الساحة خالية نقديا، وأصبح النقد في حالة أزمة
لا تتماشي مع ما يحدث في الأدب من تطور.
سابعا: النقد الحديث:
بعد انزياح وطئة 1967م بحرب أكتوبر، ورغم الاختلافات والصدامات
التي دخل فيها المثقفين والنقاد مع السادات بخصوص اتفاقيات السلام
والانفتاح الاقتصادي، إلا أن حركة نقدية قوية كانت تتشكل في
الواقع العربي، حركة قادها المبعوثون إلى الخارج، مثل عز الدين
إسماعيل، جابر عصفور ، محمد عنان، سمير سرحان، سهير القلماوي،
عبد الله الغذامي، عبد السلام المسدي، وغيرهم، وكان أهم ما يميز تلك
الحركة ما أسميته بانفتاح الأبعاد، كان المهم عندهم تجاوز الاتجاهات
الاجتماعية باتجاه ما استجد على الساحة الأدبية العالمية من نقد،
ونتيجة انفصال حركة الثقافة العربية عن الاطلاع عما هو لدى
الغرب منذ الأربعينيات، كان على النقاد أن ينقلوا الكثير والكثير،
الأسلوبية، والرمزية، والدادية، والسريالية ، والشكلية ,
والبنيوية ، والبنيوية التكوينية، والتفكيكية ، والهرمنيوطيقا ـ التأويلية ـ ،
والكولونيالية ـ نظرية ما بعد الاستعمار، ونظرية النص، والتناص،
حتى أن عبد الله الغذامي عنون كتابه: الخطيئة والتكفير : من البنيوية إلى التشريحية ،
ومن وإلى هذه لا يمكن أبدا أن يستقيما مع نظريتين متضادتين تماما،
أحدهما تحاول إثبات تعاضد وتماسك النص، والآخري تحاول أن تثبت تناقضه
مع ذاته، وعز الدين اسماعيل، قدم في مقال لا يتجاوز عشرين صفحة
من القطع الكبير مسيرة النقد الأدبي بين الوصفية والمعيارية منذ
أفلاطون إلى دريدا، وفي ظل هذا أصيب القارئ العربي الذي ضعفت
علاقته باللغة الأجنبية ـ بعكس جيل المثقفين السابق أيام العقاد
وطه حسين ومحمود أمين العالم ـ لم يفهم القارئ شيء، ولم يستطع
التواصل مع هذا، فلجأ لرد فعل طبيعي هو مواجهة تلك الحركات بما
تجسد لديه من معارف بسيطة، فكان أشبه بمن يواجه تنينا بسيف خشبي،
ولا أجانب الصواب إن قلت أن النقاد ولأسباب اجتماعية ثقافية
استباحوا جريمة الكتابة غير المفهومة، لقد كان يطلب منهم
أن يكتبوا في موضوعات لم تتكتمل معرفتهم بها بعد، ورغم هذا كانوا
يسودون العديد من الصفحات دون فهم حقيقي، وبخلط كبير أيضا.
وأعتقد أن تلك الفترة مسئولة عن انصراف القارئ عن متابعة
الناقد من ناحية، وأفقدته تواصله مع النقد من ناحية أخرى،
فأعاده موروثه الثقافي لمفاهيم التقريظ والانتقاد، والكثيرين
الآن إذا ما طلبت منهم كتابة النقد عن عمل أدبي ما يقدم لك
أخطاءه وعيوبه أو ملخصا لأفكاره وهذا ليس نقدا في الحقيقة.
وبعد لقد طال الموضوع وتشعب رغما عني، ورغم أني كنت أود التنبيه
إلى أن أغلب ما يقدم اليوم على أنه نقد لا يتجاوز كونه تقريظ
أو انتقاد، ورغم أني لم أتحدث عن النقد الحديث بشكله الصحيح بعد،
إلا أنني أعتقد أني قدمت مجموعة من المعلومات المهمة لكل من القارئ
والناقد والأديب ذلك الثلاثي الذي يمثل أضلاع الأدب في المفهوم الحديث،
وسوف أعود ,أكمل الموضوع إن شاء الله.
¯¨'*·~-.¸¸,.-~*' (شكر لكم) ¯¨'*·~-.¸¸,.-~*'
_________________
مع خالص تحياتي: وائل سيد عبد الرحيم


تعليق