ملتقى الأدباء والمبدعين العرب

 

         :: لا للحظر .. لا لتكميم الأفواه .. أول مسيرة سلمية بالملتقى (آخر رد :مهند حسن الشاوي)       :: ايا كان السؤال فالجواب واحد (آخر رد :أميرة عبد الله)       :: الشمسُ تحرقُ أَمْ هيَ الأشواقُ ... خالد شوملي (آخر رد :خالد شوملي)       :: الاصدار التاسع والتسعون للعمليات الجهادية المصورة لجيش رجال الطريقة النقشب (آخر رد :ابو برزان البعثي)       :: غَفْوَةٌ عَلَى الشََّفَتَيْنْ (آخر رد :المعطاوي المصطفى)       :: الصوفية والتصوف (آخر رد :مصطفى ربيع)       :: الصامت في زمن اللغو / مهند حسن الشاوي (آخر رد :مهند حسن الشاوي)       :: مكائد الشيطان (آخر رد :خالد شوملي)       :: مَــــدَارٌ في ميـــم المطلـــقْ...........جديد يوسف أبوسالم (آخر رد :سليمى السرايري)       :: النفس الأمَّارة بالشوق (آخر رد :محمود فرحان حمادي)      

 

نادي الأعضاء الديوان  الأدب الساخر الفكر الإنساني الملتقيات الخاصة الصفحة الرئيسية
الصالون الأدبي سوق عكاظ ملتقى الفنون الملتقى الإسلامي الملتقيات الإدارية الأرشيف
علوم التنوير العامية والنبطي  أدب الطفل الملتقى الاجتماعي ملتقى الكمبيوتر مكتبة اليوتيوب
النقد الأدبي  قصيدة النثر الساخر الخاصة الملتقى التاريخي   الإحصائيات
 اللغة العربية  فنون النثر    أدب الطفل ملتقى المقاومة   صفحات إضافية
 القراءة والمطالعة صيد الخاطر ملتقى الفنون ملتقى الترجمة ملتقى القصة صحيفة مواجهات
 


للتواصل الإنساني والأخوي فقط

العودة   ملتقى الأدباء والمبدعين العرب > (8) .... ملتقى القصة :: ربيع عقب الباب > الرواية

Loading
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-08-2008, 16:34   #1
محمود الطهطاوي
منتسب
 
تاريخ التسجيل: 09-08-2008
المشاركات: 9
افتراضي رواية (شجرة الأربعين ) الجزء الأول

رواية

شجرة الأربعين
محمود رمضان الطهطاوي

إهداء
إلى ترنيمة العشق الأبدي
طهطا .. المكان ، الأهل ، الصحب
محمود

(1)
لاتنظر إليَّ بإستغراب ، ولا تتعجب من ذلك الإنحناء العظيم الذي أصاب جذعي ، فأنا كنت شجرة باسقة ، معتدلة الجذع مثلي مثل كل الأشجار المنتشرة حولي ، لا أقل عنهن جمالا ولا فراعة ، ممشوقة القوام مثلهن تماماً ،على أغصاني تعشعش الطيور ، وتغرد على أغصاني سعيدة بالحياة ، أتحمل حرارة الشمس اللاذعة ، وأظلل المكان لمن يريد أن يستظل ، وفي الشتاء أسعد بالمطر وهو يهطل على أوراقي وفروعي يغسل الأوساخ والأتربة ، وفي الربيع تخضر أوراقي ويتجدد شبابي ، وأداعب الهواء ، وأغازله فرحة نشوانة ، مثلي مثل كل الأشجار الباسقة التي تملأ المكان ، وكم كان يضايقني طائر " أبي قردان " الذي يسكنني ويملأ الجو والمكان والأرض وأوراقي وفروعي برائحة فضلاته الكريهة ، ولكن ما ذنبي أنه مثل أي طائر يبحث عن رزقه ، وفي هذا المكان وسط المقابر يجد ضالته ، ينبش الأرض بحثا عن الديدان ، أنه ضيفا ثقيلا ، بل عدو غازي ، سكنني واحتلني بالقوة ، كم تمنيت من يحاول طرده ، والقضاء عليه ، ولكن لا أحد يتحرك .
ولم أكن اتوقع يوما أن أكون أنا وزميلاتي من الأشجار الضحية ، فحتى يتخلصوا من هذا الغازي قاموا بالقضاء علينا ، وبترنا من فوق الأرض ،باعوا جذعي اليابس لتاجر الأشجار ، وعندما نظر إلى جذعي المتآكل قطعني أرباً وباعني قطعا صغيرة لأصحاب المقاهي ليشعلوا نيراهم ، ويغمسون بالمعسل وينفثون في الهواء دخاني ، الذي يتبخر مع شكاوى الموجعات ، لقد كان ظلي يلقي الطمأنينة على الموتى ، وأوراقي الخضراء تستغفر الذبوب الثقيلة المدفونة في أعماق الأرض ، في القبور المتناثرة حولنا ، وقد كنا مأوى لزوار القبور نقيهم حر الظهيرة القارس ، وهو يدفنون موتاهم ، أوعندما يزورونهم كل ظهر جمعة ، فعلوها واجتثونا من فوق الأرض بلا رحمة
لا أدري لماذا أختاروني لأكون أنا الضحية الوحيدة في هذا المكان .
من أول من فعل بي فعلته وروج كذبته التي انتشرت كالهشيم ، وحولتني إلى شجرة تضر وتنفع ، يأتون إليًّ من كل صوب وحدب ، يزرعون شكواهم مع مساميرهم التي تخترق قلبي وتدميه ، فيزداد وجعي مرتين ، مرة من هذا الهم المثقل الملقى على عاتقي ، فما أصعب أن تختزن بداخلك أوجاع البشر ، وهذه المسامير التي تخترق جزعي وتمزق قلبي .
لماذا أطلقوا عليًّ هذا الأسم ( شجرة الأربعين ) ؟، تفنن أصحاب المصالح والقادرين على صنعت الحكايات ونسجها في تحويلي إلى تلك الشجرة المقدسة .
قال بعضهم : بأن هناك أربعون ملكا يسكونني ، ويحرصونني ، ويستمعون إلى أوجاع الناس ، ويحققون لهم مأربهم ، ويقتصون من الظالم .
وقال البعض بأن تحتي دفن أربعون ولياً من أولياء الله الصالحين ، وأولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون " ، وهم يستمعون إلى شكاوى الناس ومطالبهم ، وأروحهم الطاهرة ، الخالدة ،تحلق حول الشجرة ، ولديهم القدرة للوصول إلى الظالم ورده والقصاص منه .
ويقال إن بنت درويشة إسمها ( القطة ) كانت تعمل خادمة عند بعض أثرياء البلدة ، وعندما ماتت بينت وانتقلت روحها عند هذه الشجرة بجوار أولياء الله الصالحين ، وربما لهذا السبب تجدمعظم الذين يأتون لبث شكواهم من النساء .
حكايا كثيرة يصدقها الناس ، ويسعون إليَّ للخلاص ، ولو كنت أملك من أمري شيئاً ما اجتثوني من تحت الأرض مثلي مثل أقراني ، ومع ذلك وبعد أن سوى جذعي بالأرض ، قام التربي بإظها ر الجذع بفأسه العتيقة ، لأنه صاحب المنفعة الوحيد ، لأنه يأخذ مالآً من أصحاب الشكوى والمظالم ، مقابل أن يقوم بجر الفأس بشكل دائري حول جذع الشجرة ، وخلفه صاحب الطلب يدور ويلف وهو يبث شكواه ، وسرعان ما تحول بقايا جذعي إلى مخزن للمسامير من كل شكل ولون ، كل مسمار يحمل شكوى وييبث أوجاعا لا تقدر الأرض على حملها ، فكيف لجذعي المبتور أن يتحمل كل الأوجاع.
كل مسمار مغروز في جسدي يحمل حكاية موجعة ، لو سردت لكم تاريخ تلك المسمامير المخترقة جسدي ، والتي سكنت جسدي السامق قبل البتر وبعده لن تكفيني أوراق الدنيا ، ولكن سوف أقص عليكم بعضعا منها .
لا لن استطيع البوح ، فأنا كاتمة لأسرار هؤلاء النسوة الموجعات ، سأتركك أنت أيها الفضولي ، التي تراقبني منذ فترة ، أنا أعرفك جيدأً ، أعرف ما يدور بخلدك ، أشعر بك وأنت تراقب مايدور حولي ، أشعر بنظرة السخرية التي تكتسي ملامحك تارة ، ونظرة العطف التي تأسرك في بعض الأحيان من تلك الهموم التي تسمعها ، والصرخات الموجعة التي تخترق صمت المكان وتقلق الموتى أكثر من الأحياء ، فما أصعب أن ترى الوجع يتجسد أمامك ، دعهم يتذرعون بلحظة أمل ، حتى ولو كانت كاذبة ، وسأترك لك حرية التعبير عما يدور معي وحولي من أوجاع ، وما يطرح من هموم وشكوى .

(2)
الصدفة وحدها التي صنعت تلك الأحداث ، لم أقصد أن تكون هذه المرأة إحدى بطلات تلك الشجرة العتيقة ، وأنا أدلف من باب المقابر ، وقبل أن ألقي السلام على الموتى كعادتي ، وجدتها تدلف بملابسها السوداء وعلى رأسها ( ماجور ) فخار صغير ، توقفت أمام باب المقابر ، ورفعت الماجور من فوق رأسها قليلا ، ونزعت الشال الأسود من على رأسها ، والطرحة التي تلملم شعرها الذي يغزوه البياض ويسيطر ، ثم أراحت الماجور مرة أخرى وتمتمت بصوت مسموع : يا جبانة يا أم قلوب دبلانة ، جيت لك وأنا تعبانه ، ياجبانه ياأم قلوب دبلانه ، من غيرك يسمع شكوانا .
رنت كلماتها المتموسقة في أذني ، على الفور عرفت إلى أين تتجه ، فقد أصبحت خبيرا في هذه الأمور من زيارتي المتكررة التي تعودت عليها كل يوم جمعة قبل الصلاة ، و سرت خلفها وهي تكرر العبارات وتضيف بعض الكلمات التي تتمسوق مع الجملة ، وسرعان ما وقفت أمام جذع الشجرة وبركت على الأرض ووضعت الماجور ومازالت تمتم بكلماتها ، فوقف التربي الجالس بجوار أحد الحوائط محتضنا فأسه العتيق ، واقترب منها ، نظرت حولها ، سرعان ما اقترب منها طفل صغير بملابسه الرثة ، وهو يقول : أولع الماجور ياستي ، وأخرج علبة الكبريت من جيبه ، فأومأت برأسها ، وهي تبكي بحرقة : ولع ياولدي ، ولع إن شاء الله يولعوا فيها ، أشعل الولد الصغير في أقراص الجلة القابعة في الماجور فاشتعلت النار وتصاعد الدخان ، أخرجت من صدرها صرة وفتحتها ، وألقت بعض منها في النار ، فأحدث أصواتا وعندما دنوت عرفت أنه بعض الملح المخلوط بالعدس الأصفر ، وعلى صوت طقطقات الملح تلف المرأة وتدور في شكل دائري حول الماجور ، وهي تبكي بحرقة واضعة يديها على رأسها المشتعل بياضاً ، وهي تقول بصوت مسموع : تنحرقي ياسعاد يامرات ولدي ، وتنحرمي من الضنا زي ما حرميتيني من وليدي ، ياشحرة ياقوية ، شوفي لي يوم فيها يا عفيه ، ظلمتني المستقوية .
وأطلقت صرخة قوية أهتز لها قلبي ، فأقترب التربي أكثر والفأس في يده ، وهو يهمس : أرمي ياستي خلي النار تزيد وتحرق الظالم ، والمرأة ترمي بالعدس المخلوط بالملح فتزداد الطقطقات ويزداد معها نحيبها وهي مازلت تدور بشكل دائري حول الماجور ، يخرج التربي مسمار متآكل صدأ ويناوله لها ، ويقول لها دقي المسمار في الشجرة ، خدى من عبد الله وأتكلي على الله ، تمسك المرأة بالمسمار ، فيهرع الولد الذي أشعل النيران ويناولها قطعة زلط كبيرة لتدق المسمار في الجذع ، تضرب المرأة على المسمار في الجذع وهي تقول : في عينك ياسعاد يامرات وليدي ، لا تشوفي الضنا ولا تتهني ، زي ما حرميتني من نور عيني ووليدي ، بأدقك يامسمار في عين الظالمة المفترية ، ما تشوف يوم هناء ، ولا تفرح ، زي ما حرمتني من أبني وليدي .
وتعاود لتصرخ صرخة أخرى ، وتبرك على الأرض وهي تبكي بحرقة .
يهمس لها التربي : عملتي ياست اللي عليك ،وربنا يخلص الحقوق ، ويرد المظالم .
تنظر له المرأة والدموع في عينيها : منها لله حرمتني من ولدي الظالمة ، مع إني لم أعمل لها أي حاجة ، كنت عملاها زي بنتي ، منها لله .
تنظر إلى الفأس في يد التربي تذكرت شيئا ، فتضع يدها في صدرها وتخرج صرة أخرى ، تخرج بعض العملات الورقية ، وتضعها في يد التربي ، الذي يضعها بسرعة في جيبه ، وهي تقول له : جر لي الطورية ( الفأس ) ياخويا ، وأكنس لي الجبانة علشان تحلل في الظالمة بنت الـ (.....) .
يضع التربي الفأس على الأرض ،ويقوم بجرها ، والمرأة من خلفه تسير في طرقات المقابر وهي تصرخ وتستغيث وتدعو على زوجة ابنها :
والله ما عملت لها حاجة ، هي اللي مستوقية ، أنت وحدك اللي شايف وعارف ، أنا مش عاوزة إلا سعادة ابني ، لكن أوح فين ، أترك لها البيت وأروح عند مين ؟ ليه بيعاملني ولدي كده ، عمري مازعلته ولا زعلتها ، مش عارفة عاوزة أيه ، أروح فين ، أروح فين ياناس ؟.
تصرخ صرخة عالية ، وتنهمر الدموع من عينيها غزيرة ، وهي مازالت تمشي وراء التربي الذي يجر الفأس خلفه ويدور في طرقات المقابر .
صوت المؤذن يأتي من بعيد ( الله أكبر .. الله أكبر ) ..
أنظر إلى الساعة ، أهرول إلى قبر أمي ، أقرأ الفاتحة ، وأخرج متوجها إلى المسجد القريب من المقابر ، ولا أنسى أن القي نظرة على جذع الشجرة الذي يأن من دقات المسامير .
اشعر بإبتسامة الجذع من نظرتي الحائرة ، المحشونة بالمتناقضات .

محمود الطهطاوي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-08-2008, 16:41   #2
محمود الطهطاوي
منتسب
 
تاريخ التسجيل: 09-08-2008
المشاركات: 9
افتراضي

رواية شجرة الأربعين ( الجزء الثاني )
محمود رمضان الطهطاوي
(3)
كانت تجلس على باب التربة المقابلة للشجرة ، وهي تلبس فستانا قصيرا يكشف عن ساقيها ، وشعرها المفرود على جانبي كتفيها بلونه الأصفر المصبوغ والذي تتخلله خصلات سوداء ، وتطل بعينيها الخضراوين على ما يدور ،جالسة بجوارها امرأة مسنة مؤكد من ملامحها أنها أمها ، وهي تراقب تلك المرأة التي تدق المسمار في الشجرة ، وتدعو على من ظلمها و أن يفرج الله كربتها ، والبنت تنظر إلى ما يدور حولها من النسوة المتشحات بالسواد ،وهي جالسة بينهن كالبدر ، جميلة ، صغيرة ، أنيقة ، مدهوشة مما يدور حولها ، وكأنها غير مصدقة ما يحدث حولها ، مؤكد أن أمها أجبرتها على الحضور معها لتبث شكواها للشجرة ، وتريح بالها ، الولد المراهق الجالس قبالتها بعيدا على الجدار المقابل يفترش أرض المقابر بملابسه الرثه ، غير عابئ بمن تحته من موتى ، يبحلق في ساقي البنت ويحاول أكتشاف ما أسفل الفستان القصير الذي انحسر دون أن تدري.. وهي منهمكة في النظر فيما يدور حولها ، يفتح الولد الجالس قبالتها فمه كالأبلة وهو يشاهد اللحم الأبيض الذي يطل من بين ساقيها بعد أن أنحسر الثوب كثيرا ، واصبح الجسد مباحا وهو مطأطأ الرأس ، إلا أن غمزتها الجالسة بجوارها وقالت لها : لمي نفسك يابنت ، الولد بيطل عليكٍ .
تنبهت فلملمت ساقيها ، وعدلت فستانها ،والولد مازال يحاول أن يجد مدخلا لهذا اللحم الأبيض الطري ، بعد أن انتهت المراة من ممارسة طقوسها ، أشار حفار القبور إلى المرأة المسنة لـتأخذ دورها ، على الفور غمزت لبنتها الجالسة ، فقامت على إستحياء ، ودنت من النار المشتعلة ، اخرجت أمها كيس الملح ورشت على النار ، فأحدث الملح صوتا ، وأمرت البنت ان تدور حول النار ، نظرت البنت لأمها وفعلت وأخذت تمتم بصوت خفيض ، ساعدتها الأم وهي تمتم بصوت مسموع : فكي ياشجرة ياباتعة السر ، وشيلي العمل والعين من على البنت ، ريحيني قبل ما أموت ، واشوفها في بيت العدل ، وحياة المسيح الحي جيتك وأنا عشمانة ، ما تردي بنتي خيبانة ، وترفعي عنها العين ، وتشيلي المستخبي ، وأشوفك ياسميرة فرحانة وسعيدة في بيت عدلك .
والبنت تنظر لأمها وقد كست وجهها حمرة الخجل وهي تسترق النظر للنساء المتشحات بالسواد واللائي ينظرن إليها، ويتسترقن السمع ، وهي تدور حول الشجرة ، وتغمز إحداهن الجالسة جوارها : سبحانه جمال وحلاوة .. ربنا يفك أسرك يابنتي ، ويشيل عنك ، ويستر على كل الولاية .
تخرج الأم بعض الوريقات النقدية وتناولها لحفار القبور ، وهي تهمس : دعواتك معانا ياشايل الهموم ، أدعي لبنتي .
يدس النقود في جيبه : ربنا يتولى أمرها ، ويفك أسرها ، ويبعت ليها عدلها قولي آمين :
تتنهد الأم الموجوعة ,هي تقول : آمين .
يناولها حفار القبور كوب به ماء ، تلقيه على غفلة على وجه بنتها ، فتشهق البنت شهقة قوية ، وهي تنظر إلى أمها مدهوشة .
تقول الأم بارتياح : خلاص .. إن شاء الله فيها الشفاء ، راح العمل مع الرجفة ، مش كدة ياراجل يابركة .
يؤمى حفار القبور برأسه وهو يهمس : كل بأمره ياستي ، كل بأمره ومكتوب ، وإن شاء الله كله يروح ،والهم يزول بإذنه .
وتغادر الأم المكان وخلفها بنتها : وهي تمتم بصوت مسموع : الستر .. الستر من عندك يا قادر على كل شئ .

محمود الطهطاوي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-08-2008, 16:43   #3
محمود الطهطاوي
منتسب
 
تاريخ التسجيل: 09-08-2008
المشاركات: 9
افتراضي

رواية شجرة الأربعين (الجزء الثالث )
محمود رمضان الطهطاوي
(5)
ناهز السبعين من عمره ، ولكن عندما يحضر ميت ، يمسك فأسه العتيقة ، وينزع جلبابه ، ويبقى بسرواله الطويل ، والصديري أسفلة فانلة صوف رمادية لا ينزعهاعن جسده صيفا أو شتاءا ، يضرب الأرض ، حافراً القبر ، لقد دخل هذه المقابر شاباً فتياً مع والده ، تلك المهنة تتوارث أباًُ عن جد ، لا أحد غريب يعمل معهم ، وقد أفنى عمره كله بعد وفاة أبيه في دفن الموتى ، لم يبارح هذا المكان إلا لأداء واجب أو قضاء مصلحة هامة ، ينام في تلك الحجرة الواسعة الملاصقة للمقبرة الوسيعة الذي ترك له أصحابها- وهم معرفون في هذه البلدة- المفتاح ، لتكون له مأوى ومبيت ، ويضع فيها حاجاته القليلة .
وحوله تدور حكاوي كثيرة في البلدة التي لا يخفى فيها سرا مهما كان حجمه ، يقال :أن النساء المتأخرات في الحمل ، يذهبن إليه ليخرج لهن طفلاً متوفيا ، تقوم العقيم والتي لم يرزقها الله بالخلفة بتخطي الطفل الميت سبع مرات ، وبعدها بإذن الله تحبل ، يقال إنه يفعلها كثيراً ، حتى شاع الخبر في كل البلاد المجاورة.
- يقوم بفعلته الشنيعة دون خوف من الله ، فالموتى لهم حرمتهم ، ولا يجوز إخراج الميت .
قال عبد المولى النجار .
فقاطعه سلمان الحداد
- ياسيدي الحي أبقى من الميت ، تصدق إن وردة بنت هريدي العربجي جارنا في الحارة ، قعدت عشرة سنين متزوجه ولم تحمل وتشيل إلا لما راحت عند عم محمد التربي ، وقامت بتخطي الطفل الميت سبع مرات ، بعدها شالت على طول ، وعندها دلوقت ثلاثة أولاد وأربع بنات ماشاء الله .
- دي صدف ، كله مكتوب ومدبر من عند الله .
- لكن اسعى ياعبد وأنا أسعى معاك .
- ياراجل حرام عليك اتقي الله ، حرمات المقابر ، ده راجل مش حيورد على جنة أبدا ، أنا عارف مش متعظ أبداً من الموت ، وهو اللي بيدفن الموتى ، وعايش وسطيهم ، ومعاهم ، وبيشوف المستور والمتخبي تحت .
- ربنا العالم بأحوال الناس ، والجنة والنار في علمه .
- لكن برضه المقابر لها حرمتها ، فاكر فوزي الكهربائي واللي حصله في المقابر .. كان شاب زي البدر ، لكن ديله نجس ، كان يجري وراء النسوان ، ومع أنه إتجوز بنت زي القمر .
- أيوه والله بنت شيخ بلد ، وانجبت له ولد بنت زي فلقة القمر
- ومع ذلك ظل ديله نجس ، وجلب واحدة للمقابر وفعل بها ، ولم يتركه الجن الصالح ، فخرج له ونثر التراب في وجهه فأصابه بالعمى ، وأتسل وبقي زي البوصة ، وشكله بسم الله الرحمن الرحيم .







(6)
صباح كل جمعة يرتدي عم محمد التربي ، جلبابه الصوف صيفا وشتاءا ، ويضع على رأسه عمامته البيضاء المزهرة ، التي تغسلها له زوجته وتحضرها كل ليلة خميس ، ويربط فأسه بقطعة قماش بيضاء من أكفان الموتى ، ويتقرفص تحت أحد الجبانات قريبا من شجرة الأربعين ، في انتظار الزبائن التي تأتي كل يوم جمعة قبل صلاة الظهر لتشكي همومها للشجرة ، وترفع ظلمها إليها بعد أن تدق المسمامير في قلب الشجرة ، وكأنها تدقها في قلب الظالم ، ويقوم عم محمد التربي بعد ذلك بجر الفأس ، أو كما تقول إحداهن : إكنس لي الجبانة على الظالم .
فيقوم بجر الفأس وخلفه صاحبة الشكوى ، تمتم وتبكي بحرقة وهي تبث شكواها للجبانة ، وكثيرأً ما تخرج عن شعورها فيعلو صوتها بالصراخ والعويل .
وبعد جولة كنس الجبانة بالفأس يعود التربي إلى مكان الشجرة ، فتقف صاحبة الشكوى وهي تترجى وتطلب العون والمدد من الشجرة القوية ، وأحيانا من الجبانة أم قلوب دبلانة ، وتغادر المكان وقد سحت من الدموع ما أراح قلبها ، وهي واثقة أن الله بعد ذلك سيفرج كربتها .
ثم تدلف غيرها وتقف أمام الشجرة وتمارس نفس الطقوس ، وهي تشعل النيران ، وتلقي بالملح والعدس على النار ، ومع طقطقات الملح تبث شكواها ، وهي تضرب بعنف على المسمار ليخترق أعماق الشجرة ، وتشكو همها وتدعو على من ظلمها وتطلب القصاص .

محمود الطهطاوي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-08-2008, 16:45   #4
محمود الطهطاوي
منتسب
 
تاريخ التسجيل: 09-08-2008
المشاركات: 9
افتراضي

رواية شجرة الأربعين ( الجزء الرابع )
محمود رمضان الطهطاوي
(7)
مجلس المدينة قرر تعلية سور المقابر ، وتغيير الأبواب الخشبية بأبواب حديدية ، وقامت بعمل حراسة للمقابر ، ولا تفتح إلا عند دفن إحد الموتى ، ويوم الجمعة للزيارة وفي المواسم والأعياد ، بعد أن بلغ علم الحكومة إن تجار المخدرات يدفنون المخدرات في المقابر ، وتحولت إلى مأوى للبلطجية ، وكل من هب ودب .
كان صدمة لعم محمد التربي ، فأمبرطوريته التي كان يرأسها ويتحكم فيها ، مع هؤلاء الذين يقرأون القرآن عند دفن الموتى ، ويسهرون معه الليل في انتظار الموتى ليمارسوا قراءتهم النشاز والخاطئة ، ولكنها مهنتهم ولا يعرفون غيرها ، يقرأون على المقابر ، ويذهبون إلى منازل أهل الموتى ، ليأخذوا نفحتهم ، ويأكلون من طعام اليوم الثالث ، الذي يُعد خصيصاً رحمة على روح الميت ، ولا ينسوا أن يدسوا في جيوبهم الأرغفة المحشوة بالأرز واللحم لأسرهم بعد أن يملئوا البطون النهمة .
وعم محمد الذي كان يخرج ويدخل على هواه ، ويحلو له وقت العصاري بالجلوس أمام الباب الرئيسي متفرصاً وحوله القراء يتسامرون في انتظار ميت جديد ، أو صاحبة مصلحة كتلك التي تريد أن تخطي ولد ميت لتحبل ، أو تدق مسمارا في شجرة الأربعين .
كل هذا ضاع عليهم ولا تفتح المقابر إلا بإذن موظف الوحدة المحلية عندما يبلغ بحالة وفاة جديدة ، وأكتفى عم محمد بيوم الجمعة والأعياد لمزاولة مايقوم به من أعمال .
ولاينسى عم محمد قبل أن يذهب لصلاة الجمعة ، أن يقوم بجمع ما تخلف من رماد حول الشجرة ، بعد إطفاء النار والتخلص منه ، حتى لايرى أحد ما تم قبل ظهر الجمعة ، وإن كانت بقايا الرماد تترك سوادها في الأرض ، وبقايا الملح والعدس منثورة على جذع الشجرة المبتور وسط المسمار المغروسة ، مع بقايا حجر مهشم من أثر الذق به .
حجب السور المقابر عن المتسلقين ، والذين يريدون إختراق حرمات الموتى ، بعد قامت الوحدة المحلية بتعليته ، فرغم أنه يظهر واطئاً نوع ما من الخارج ، إلا إنه من الداخل يظهر عاليا حتى يصعب تسلقه والنزول من الداخل .
الغريب أن النساء تعودن على الحضور يو م الجمعة صباحا ، ويقمن بدق المسامير ، وبث شكواهم ، ويقوم عم محمد بجر الفأس لهم ، ولا تنتهي هذه المراسم إلا قبل أذان الجمعة بوقت قليل ، ولقد شاهدت أكثر من مرة موظف الوحدة المحلية المسئول يرى النساء يقمن بأفعالهن حول الشجرة ومعهم التربي ، ولم يحرك له ذلك ساكناً ، الأمر الذي زرع في قلبي الشك والريبة , طرح العديد من الأسئلة الحائرة بداخلي : هل يسكت على تلك الأفعال لوجه الله ؟ أم أنه ينوله من عطايا التربي شيئ ؟ .أم إن هناك تعليمات له بعدم التعرض لهن ولعم محمد ، وخصوصا بعد أن قمنا بنشر تحقيق صحفي فضحنا فيه أفعال التربي ،ومايدور حول شجرة الأربعين ، ودعمناه بالصور ، ونشرناه في أحد الصحف المحلية ، والتي قرأها جميع المسئولين ، ولدهشتنا لم يتحرك أحد لفعل أي شيئ ، بل وجدت عم محمد يمارس أفعاله بهدوء والنساء المتشحات بالسواد بجواره كل واحدة تنتظر دورها لتقوم لممارسة طقوسها حول الشجرة .


(8)
قفز من نومه مذعوراً ، تشهد وهو يسمح جبنيه الذي يتصفد عرقاً ، تلفت حوله في الظلام الدامس ،وجد الشيخ عثمان متكوما بجواره على الأرض ، يعلو صوت شخيره مخترقا صمت المكان ، إعتدل وأستند بظهره على حائط الحجرة ، أخرج من جيب السديري علبة السجائر وأشعل سيجارة ، وأطلق الدخان في سماء الغرفة ، بحلق في الدخان المتموج بدهشة ، الدخان يتشكل على هيئة شجرة سامقة ، تتشكل ملامح أيدي ورؤس مثل رؤوس الشياطين كل واحد يحمل شاكوشا وفي يده مسمار صدئ ، يقومون بدق المسامير في جذع الشجرة ، الشجرة تئن ، يعلو صراخها ، تهتز بعنف ، ينحنى الجذع ويميل يكاد يسقط عليه وهو جالس مكانه لا يستطيع الحراك ، تتحول أفرع الشجرة إلى مخالب تقترب منه ، يصرخ
- عثمان .. ياشيخ عثمان
يهزه بعنف :
- فيه إيه ياعم محمد ؟
وهو مازال راقداً مكانه
- قوم بسرعة
يصحو ويعتدل وهو يفرك عينيه
- فيه إيه ياعم محمد .. زبون وصل
- زبون إيه .. إصحى
مستغرباً :جرى إيه ؟
يتبخر الدخان ، ويعود متموجا في سماء الغرفة
- لاحول ولاقوة إلا بالله العظيم .
- فيه إيه ياعم عثمان
- ولا حاجة كابوس وراح
- خير إن شاء الله
- خير .. خير .. نام ياعثمان
- أنام إيه قلقتني .. هات سيجارة
يناوله سيجارة .. يشعل عثمان السيجارة ، ويقف
- أقوم أفتح الباب الدخان حيخنقنا .
أومأ عم محمد التربي برأسه موافقاً .. وهو يفكر فيما رأى في اليقظة ، هو بعينه الذي شاهده في نومه ، نفس الحلم .. الكابوس .
الشيخ عبد العال ، صديقه ، إمام المسجد الكبير الملاصق للمقابر بعدأن قص عليه ما شاهد ، وبعد أن تكرر الكابوس في نومه مرات عديدة ، لايفرق بين ليل أو نهار ، فقد أتاه أكثر من مرة في ساعات القيلولة ....
قال له :
- إنه إنذار ياعم محمد ، فما تفعله حرام ، وما يفعله النسوة شرك ، فالإستعانة لا تكون إلا بالله وحده ، وهذه شجرة لا تضر ولا تنفع ، وهؤلاء موتى ، لا يجوز لنا إلا الدعاء الله ، المقابر للعظة ياعم محمد وأنت سيد العارفين ، وشاهد وشايف لما يدور داخل القبور .
- لكن يامولانا أنا وجدت أبي يفعل ذلك من قبلي ، ولم استطع أن أرد مظلومة جاءت لتستنجد وتشتكي وتفرغ ما بداخلها حتى تستريح .
- ولكن ما يفعله النسوة شرك بالله ، ومخالفة لشرعه ، إنهم كما سمعت يطوفون حول الشجرة كما يطوفون باليت العتيق ، حرام .. هذا حرام ، وما تفعله أنت بالموتى جرم ، كيف تخرج لهن الأطفال من المقابر ليحبلن ، إنه خروج عن شرع الله ، أتقي الله ياعم محمد وعد إلى صوابك .. إن ماتراه في حلمك إنذار من السماء لتعود لرشدك .
(9)
أصاب الذعر أهل المدينة وقراها بعد أن ذاع الخبر وانتشر على كل لسان ، لايوجد بيت إلا ويحاول تأمين المكان من هذا الزائر المقتحم ، خصوصا البيوت الواطئة المتطرفة بالقربية من المقابر والغير محكمة الأبواب ، الذي يسهل للزائر تسلقها ، أو ولوجها بسهولة ، الأمهات حذرت الأبناء من الخروج من باب المنزل .. هذا المقتحم الذي يقال أنه تسلل من الجبل الكائن في "نزلة علي " واختبئ في المقابر ، ويخرج في الليل يطرق الأبواب مثل الإنسان تماماً ، وعندما يفتح له الباب يقتحم المكان ويفترس من يجده أمامه .
"السلعوة " اسم غريب لم يسمع أحد به من قبل ، قال الذين شاهدوه أنه حيوان يشبه الكلب ، ويقترب من الذئب ، وقال بعضهم : أن أمه كلبة ووالده ذئب .
من أسبوع فقط حدثتنا وسائل الإعلام المرئية عن هذا الكائن الغريب الذي تسلل من الجبال القريبة في إحدى المحافظات الجنوبية ، وكيف أقلق راحة بال مدينة بقراها ، ومازالت صورة البنت الشابة الذي هجم على دارهم هذا الكائن الغريب واستطاعت قتله ، مازالت صورتها وحكايتها تتراءى أمام الناس في البلدة ، وتزيدهم رعباً وهلعاً .
أكد أحدهم إنه شاهد هذا الكائن الغريب يتسلل من المقابر ، وقدمر من أمام الكلاب النائمة حول المقابر دون أن تكشر عن أنيابها ، وهام على وجهه غرب المدينة .
ويحكى أن الحكومة أعدت قوات خاصة واقتحمت المقابر بعد أن حاصرتها وبحثت عن هذا الكائن الغريب ولم تعثر له على أثر .
وإن كان عم محمد التربي أكد لهم أنه شاهده يخترق المقابر ، ولم يملك أن يغلق عليه باب حجرته ويتركه وحال سبيله .
ولكنه من ثقب الباب شاهده وهو يقترب من شجرة الأربعين ، وقف بجوارها رفع رجله ليتبول ،ولكن لم يفعلها بل أنتفض وفر بسرعة البرق بأن عوى بصوت عالٍ وكأنه يتألم من شيء ما .
وعندما طلب منه الضابط وصفه ، قال :
- ديب يشبه الكلب ، أو كلب يشبه الديب ، حاجة زي كده يابيه ، لكنه وجهه مخيف ياباشا ، وجهه مموط وأنيانه أجارك الله ، سلم يارب ، عمرنا ما شفنا كده ، آخر الزمان ياباشا ، ربنايحفظنا ويعديها على خير .

محمود الطهطاوي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-08-2008, 16:47   #5
محمود الطهطاوي
منتسب
 
تاريخ التسجيل: 09-08-2008
المشاركات: 9
افتراضي

رواية شجرة الأربعين ( الجزء الخامس )
محمود رمضان الطهطاوي
(10)
دخل رجال الشرطة غرفة عم محمد التربي وهو راقدا في فراشه المتآكل ، على الأرض الترابية ، نهض وهو يتكأ على فأسه العتيقة ، وقبل أن يتفوه بكلمه بادره المخبر عبد الستار الذي يعرفه تمام المعرفة :
- قوم ياراجل يابركة ، وألبس هدومك ، البيه ضابط المباحث عاوزك شوية
- خير ياعبد الستار
- خير إن شاء الله .
وفي السيارة جلس عم محمد التربي على المقعد الخشبي يحيطه رجال الشرطة من كل ناحية ، وهو ذاهل مما حدث ، فهذه هي المرة الأولى الذي يركب فيها عربة الشرطة ، ولم يحتك في حياته بالمباحث ولا بالقسم ،فهو لا يدفن أحد بدون تصريح دفن ، ماذا حدث ؟ وماذا يريدون منه ، هل بلغت عنه تلك المرأة الريفية التي حضرت للمقابر أكثر من مرة ، وأخرج لها في كل مرة طفلاً لتخطيه سبع مرات ، ولكنها لم تحمل حتى الآن ، لا لن تفعلها فهي قروية طيبة ، ولن تفكر في ذلك أبداً ، فهي معلقة أملها على قشاية ، وستعاود الكرة ، وتعود ثانية لتفعلها على أمل الحبل حتى لا يتزوج عليها زوجها .
ربما يكون شوقي العفش تاجر المخدرات الذي حذره آخر مرة من القفز من السور ودفن المخدرات في الترب ، قدم فيه وشاية ما ، يعرفه قادر على الكيد والغدر وصنع الوشايات لمن يقفون في طريقه .
أو ربما عائلة المتولي قدمت بلاغا فيه بعد باع نصف مقابرهم الخلفي لعائلة مرجان دون علمهم .
في آخر أيامك تتبدهل يامحمد وأنت عشت حياتيك كلها معزز مكرم ، صاحب امبرطورية في المقابر ، الكبير والصغير يسمع كلامك ، والكل يعمل لك حساب ، منها لله البلدية الي فتحت عيون الحكومة علينا .
أفاق من تفكيره ورجال الشرطة يطلبون منه النزول من العربة ، وأمام غرفة ضابط المباحث ، وبعد انتظار لا يطول ظنه دهراً ، وهو جالس على الأرض القرفصاء ، واضعا يده على خده في انتظار ما يخبئ له الدهر من مصائب وبلاوي ، فالذي يدخل من باب القسم مفقود ، والخارج منه مولود ، ربنا يستر ويعديها على خير .
عندما دخل على ضابط المباحث وهو يجر قدميه ، ألقى بالسلام ، فرد عليه وهو يقلب في الأوراق دون أن يلتفت إليه ، ثم أمره بالجلوس على المقعد ، فشكره ، وبعد صمت رهيب استمر لدقائق قصيرة ، جف فيها ريقه ، وتصفد جسده عرقاً ، وهو يتأمل ضابط المباحث الذي فجأة نظر إليه يتأمله ، ثم همس :
- إيه ياعم محمد .
- خير ياباشا .. تحت أمرك .
- مش كفاياك ياراجل .. وتعدي أيامك على خير .
- إيه اللي حصل ياباشا ؟
- إيه لسة برضه شغال في الشعوذة والكلام الفاضي .
- شعوذتك إيه ياباشا .
- الشجرة .. شجرة الأربعين
تنهد عم محمد ، وأخذ نفساً عميقاً :
- شجرة الأربعين ،وكل الشجر أزالته البلدية ياباشا ولم تبق على شيئ .
- لكن لسه النسوان بتروح عندها يوم الجمعة ، وبتساعدهم على أفعالهم
- لكن ..
مقاطعاً وهو يمسك بصحيفة ، ويقدمها له :
- مش دي صورتك وأنت واقف جنب واحدة وهي بتدق المسمار في الشجرة ، والتانية وأنت بتجر الفاس وهي بتمشي وراك .
ارتبك وهو يشاهد صوره تطل من الصحيفة .
وأومأ برأسه يفكر في رد
- على كل ياعم محمد أنت راجل كبير ، ومش كد البهدلة ، دي آخر مرة تعمل كدة ، المرة التانية القانون حياخد مجراه بلا رحمة ، يلا روح
- شكرا ياباشا .. شكرا .

محمود الطهطاوي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-08-2008, 16:49   #6
محمود الطهطاوي
منتسب
 
تاريخ التسجيل: 09-08-2008
المشاركات: 9
افتراضي

(11)
كان صوته زاعقاً ،عالياً ، رغم وهن جسده ، اخترق صمت القليولة ، في صيف أغسطس القارس ، فُتحت البلكونات ، وأطل الناس على هذا الصوت الذي يزهق ، وخرج الناس من بيوتهم القريبة من المقابر لتعرف سبب هذا النداء ، وفوجئ الجميع ، بعم محمد التربي ، يركب السور العالي ، كيف ركب هذا السور رغم وهن جسمه وعظامه ، لايهم ، ووقف سامقاً معتدل القامة ، وهو يصرخ :
- يا أهل البلد ، ياخلق هو .. السلعوة جوة الجبانة ، لقيتها مقتولة بجوار شجرة الأربعين ، شفت بعيني اللي حياكلها الدود أربعون من الرجال الأقوياء الأشداء لابسين أبيض في أبيض، ووجوهم بيطل منها النور ، شافوا السلعوة وهي تقترب ناحية الشجرة ، ألتفوا حولها على شكل دائرة ، وهي واقفة مذعورة ، لم تتحرك ، كل واحد كان في يده عصا من ذهب ضربوا السلعوة في توقيت واحد على أم رأسها طبت ساكتة من دون صوت ولا حركة ، قطعوا رقبتها وأخذوها واختفت ، وهي الآن ملقاه بجوار شجرة الأربعين ، بركاتك ياباتعة ، بركاتك يأم أربعة أربعين ياقوية ، اللي عاوز يشوف السلعوة قبل ما نرميها بعيد عن المكان الطاهر يدخل ويتفرج ، بركاتك ياقوية ، ومستعفية ، بركاتك بأهل الحظوة والخطوة سكانك .. رجالك ..
تدافع الناس داخل المقابر ، ليشاهدوا السلعوة ، كان هناك جسد لحيوان ملقى على الأرض مقطوع الرأس ، ولا مكان لوجود دم غزيز ، ألتف الناس حول جذع الشجرة ، وهم يشاهدون الجثة الملقاة بجوار الجذع .
كان عم محمد التربي على غير عادته يضع على رأسه شال أخضر ، جالساً بجوار الجذع يتمتم بكلمات مبهمة ، يحرك رأسه يميناً ويساراً وكأنه في حضرة ، وحوله المريدين .
وكل ما سأله أحد عن شيئ ، همس وهو مازال يحرك رأسه طائفا ، هائماً :
- لقد قلت ماعندي .. بركاتك يامبتورة ، ياقوية ، بركاتكم ياأهل الحظوة .. والخطوة .
ولا يزيد .
والناس تزيد وتكثر ، بعد أن ذاع الخبر بين كل أهل البلدة بسرعة البرق .

محمود الطهطاوي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 14-08-2008, 00:14   #7
ربيع عقب الباب
عاشق النبل
 
تاريخ التسجيل: 29-07-2008
الدولة: المحلة الكبرى - مصر
المشاركات: 9,559
افتراضي

صديقى الروائى .. محمود
حملتها الآن فقط على جهازى .. و بعد الطبع سوف أقرأ .. و أكون هنا
انتظرنى .. بارك الله فى قلمك
تحيتى و تقديرى
ربيع

ربيع عقب الباب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-08-2008, 16:08   #8
محمود الطهطاوي
منتسب
 
تاريخ التسجيل: 09-08-2008
المشاركات: 9
افتراضي المبدع المتـالق دائما الأستاذ ربيع عقب الباب

شكرا للإهتمام وتحميلك مقطع من الرواية .. وفي انتظار رؤيتك النقدية التي اعتز بها كما اعتز بكتابتك دائما
محمود الطهطاوي

محمود الطهطاوي غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
الأعضاء الذين قرأو الموضوع :- 0
عفوا !!! , ولكن لا يوجد أسماء للعرض.
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مشكلة كتابة الأعلام الأجنبية بالحروف العربية: الجزء الأول إدارة "عتيدة" جمعية الترجمة العربية وحوار الثقافات 0 12-04-2009 11:40
منحوتات من كلام ( الجزء الأول 1 - 70 ) الدكتور حسام الدين خلاصي ملتقى قصيدة النثر 8 12-03-2009 06:11
- الجزء الأول - المخطط الصهيو أمريكي في المنطقة – وثائق وتقارير– تحسين قضايا و آراء للحوار 2 24-10-2008 03:50
الجزء الأول من قصيدة (مثلهما) شعر/ محمد خير الحلبي مدونات مدونات كتاب الملتقى 0 29-09-2008 01:11


الساعة الآن 16:13




Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لملتقى الأدباء والمبدعين العرب
يرجى الإشارة إلى الموقع في حالة النقل
الآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة
بل تمثل وجهة نظر كاتبها فقط


vEhdaa 1.1 by NLP ©2009