كان لي صديقٌ عزيز، من أولئك الذين لا يطرقون بابك إلا وفي جعبتهم قضية تستحق التحقيق.
جاءني ذات يوم، وجلس أمامي وهو يحمل على وجهه ملامح الحيرة،
ثم قال:
"يا أبا أحمد...
عندي مشكلة غريبة.
أشعر أن كل من يتحدث معي يرتبك! حتى مديري في العمل، إذا ناقشني في أمرٍ ما، أحس أنه يتلعثم ويضطرب.
والله لا أدري ما السبب!"
ابتسمت ابتسامةً عريضة، من تلك الابتسامات التي توحي بأن القضية حُلَّت قبل أن تبدأ، وقلت:
"هذا طبيعي جدًا."
فتح عينيه في دهشة وقال:
"طبيعي؟!..
ولماذا؟"
قلت:
"لأنني أنا نفسي أرتبك عندما أتحدث معك."
ازداد استغرابه حتى كاد يقع من كرسيه، وقال:
"أنا؟! ماذا أفعل؟"
قلت:
"المشكلة ليست في كلامك...
المشكلة في نظراتك."
قال وهو يشير إلى عينيه:
"نظراتي؟!"
قلت:
"نعم. أنت عندما تتحدث مع أحد، لا تستمع إليه، بل تبدو وكأنك محقق جنائي أُرسل لفحص وجهه."
اعتدل في جلسته، وعقد يديه،
وقال باهتمام:
"فسّر أكثر."
قلت:
"أنت تبدأ جولتك السياحية من جبهته، ثم تهبط إلى عينيه، ثم تمر بخديه، وتنعطف نحو أنفه، ثم تتوقف طويلًا عند شفتيه، وكأنك تراجع تقريرًا تشريحيًا لا وجه إنسان."
ثم تابعت:
"لا ينجو منك شيء. تراقب حركة الشفاه، وطريقة خروج الحروف، واهتزاز اللسان، وعدد الرموش، وربما لو استطعت لعددت المسام أيضًا!"
قهقه وقال:
"والله؟"
قلت:
"أي والله. لذلك لا تستغرب إذا ارتبك الناس أمامك. المسكين يشعر أنك تبحث عن شامة مفقودة، أو دليل إدانة، أو أنك ستخبره بعد قليل: بالمناسبة... عندك شعيرة خارجة عن النظام منذ عام ٢٠٠٠."
ضحك حتى استلقى على ظهره،
وقال وهو يمسح دموعه،:
"والله العظيم أنك أول واحد يفهمني! هذا ما أفعله فعلًا، ولم يكتشفه أحد قبلك."
ثم قال:
"طيب... وما الحل؟"
قلت:
"الحل أسهل مما تتصور."
قال متلهفًا:
"هات، أنقذني."
قلت:
"إذا تحدثت مع أحد، اجعل تركيزك على عينيه فقط. فإذا شعرت أن عينيك بدأت تتسللان في رحلة استكشافية إلى باقي ملامح الوجه، فاصرف بصرك لحظة، ثم عد إليه. المهم لا تطلق لعينيك العنان لتكتشف تضاريس الوجه، والندبات، والشامات، والتجاعيد، والخطوط
وكأنك ترسم خريطة طبوغرافية."
انصرف الرجل وهو يهز رأسه، وكأنه خرج من جلسة علاج سلوكي مجانية.
وبعد مدة، التقيته من جديد.
ما إن رآني حتى صاح:
"أبشرك! بدأت أسيطر على نظراتي. كلما أحسست أن عيني ستسافر في وجه محدثي، أصرخ في داخلي:
في العيون يا سعد... في العيون!"
قلت مبتسمًا:
"ممتاز... إذًا انتهت المشكلة."
قال وهو يحك رأسه:
"ليس تمامًا."
قلت:
"وما الجديد؟"
قال:
"أجلس طوال الحوار أردد في نفسي: في العيون يا سعد... في العيون...
في العيون... في العيون..
حتى ينتهي الحديث، ثم أكتشف أنني لم أسمع كلمةً واحدة مما قاله!"
فانفجرت ضاحكًا هذه المرة حتى استلقيت على ظهري، وقلت له:
"لا بأس... لقد انتقلت من مشكلة إرباك الناس إلى مشكلة تجاهلهم. وهذا في عالم تطوير الذات يُعتبر تقدمًا ملحوظًا!"
ثم قلت له:
"مع الوقت ستعتدل المعادلة،
ستنظر إلى العيون، وتسمع الكلام،
وتدع وجوه الناس تعيش بسلام، دون أن تخضع كل مرة لعملية مسحٍ شامل."
عبدالله الشريف
جاءني ذات يوم، وجلس أمامي وهو يحمل على وجهه ملامح الحيرة،
ثم قال:
"يا أبا أحمد...
عندي مشكلة غريبة.
أشعر أن كل من يتحدث معي يرتبك! حتى مديري في العمل، إذا ناقشني في أمرٍ ما، أحس أنه يتلعثم ويضطرب.
والله لا أدري ما السبب!"
ابتسمت ابتسامةً عريضة، من تلك الابتسامات التي توحي بأن القضية حُلَّت قبل أن تبدأ، وقلت:
"هذا طبيعي جدًا."
فتح عينيه في دهشة وقال:
"طبيعي؟!..
ولماذا؟"
قلت:
"لأنني أنا نفسي أرتبك عندما أتحدث معك."
ازداد استغرابه حتى كاد يقع من كرسيه، وقال:
"أنا؟! ماذا أفعل؟"
قلت:
"المشكلة ليست في كلامك...
المشكلة في نظراتك."
قال وهو يشير إلى عينيه:
"نظراتي؟!"
قلت:
"نعم. أنت عندما تتحدث مع أحد، لا تستمع إليه، بل تبدو وكأنك محقق جنائي أُرسل لفحص وجهه."
اعتدل في جلسته، وعقد يديه،
وقال باهتمام:
"فسّر أكثر."
قلت:
"أنت تبدأ جولتك السياحية من جبهته، ثم تهبط إلى عينيه، ثم تمر بخديه، وتنعطف نحو أنفه، ثم تتوقف طويلًا عند شفتيه، وكأنك تراجع تقريرًا تشريحيًا لا وجه إنسان."
ثم تابعت:
"لا ينجو منك شيء. تراقب حركة الشفاه، وطريقة خروج الحروف، واهتزاز اللسان، وعدد الرموش، وربما لو استطعت لعددت المسام أيضًا!"
قهقه وقال:
"والله؟"
قلت:
"أي والله. لذلك لا تستغرب إذا ارتبك الناس أمامك. المسكين يشعر أنك تبحث عن شامة مفقودة، أو دليل إدانة، أو أنك ستخبره بعد قليل: بالمناسبة... عندك شعيرة خارجة عن النظام منذ عام ٢٠٠٠."
ضحك حتى استلقى على ظهره،
وقال وهو يمسح دموعه،:
"والله العظيم أنك أول واحد يفهمني! هذا ما أفعله فعلًا، ولم يكتشفه أحد قبلك."
ثم قال:
"طيب... وما الحل؟"
قلت:
"الحل أسهل مما تتصور."
قال متلهفًا:
"هات، أنقذني."
قلت:
"إذا تحدثت مع أحد، اجعل تركيزك على عينيه فقط. فإذا شعرت أن عينيك بدأت تتسللان في رحلة استكشافية إلى باقي ملامح الوجه، فاصرف بصرك لحظة، ثم عد إليه. المهم لا تطلق لعينيك العنان لتكتشف تضاريس الوجه، والندبات، والشامات، والتجاعيد، والخطوط
وكأنك ترسم خريطة طبوغرافية."
انصرف الرجل وهو يهز رأسه، وكأنه خرج من جلسة علاج سلوكي مجانية.
وبعد مدة، التقيته من جديد.
ما إن رآني حتى صاح:
"أبشرك! بدأت أسيطر على نظراتي. كلما أحسست أن عيني ستسافر في وجه محدثي، أصرخ في داخلي:
في العيون يا سعد... في العيون!"
قلت مبتسمًا:
"ممتاز... إذًا انتهت المشكلة."
قال وهو يحك رأسه:
"ليس تمامًا."
قلت:
"وما الجديد؟"
قال:
"أجلس طوال الحوار أردد في نفسي: في العيون يا سعد... في العيون...
في العيون... في العيون..
حتى ينتهي الحديث، ثم أكتشف أنني لم أسمع كلمةً واحدة مما قاله!"
فانفجرت ضاحكًا هذه المرة حتى استلقيت على ظهري، وقلت له:
"لا بأس... لقد انتقلت من مشكلة إرباك الناس إلى مشكلة تجاهلهم. وهذا في عالم تطوير الذات يُعتبر تقدمًا ملحوظًا!"
ثم قلت له:
"مع الوقت ستعتدل المعادلة،
ستنظر إلى العيون، وتسمع الكلام،
وتدع وجوه الناس تعيش بسلام، دون أن تخضع كل مرة لعملية مسحٍ شامل."
عبدالله الشريف
تعليق