في الممرّ الأخير،
كان الصمتُ يجمعُ أطرافَه
كلّما سقطت وريقةٌ من العتمة،
والجدرانُ التي شهدت همسَ الأمس
ما زالت تحتفظُ بالأصداءِ،
كأنّ يدًا امتدّت لترسمَ الأثر،
ثمّ ذابت في العدم.
على الرفوف،
دفترٌ نسيه غريب،
وحبرٌ جفّ،
وأجسادُ كلماتٍ مرميّةٌ على بياض،
تحاولُ أن تقرأَ نفسها.
الذين غادروا
تركوا خطواتِهم معلّقةً على العتبات،
ومرّوا خفافًا،
كأنّ الظلَّ لم يكن يقبلُ أن يحملَهم.
في الندى،
شيءٌ يتسرّبُ ببطءٍ من العشب،
شيءٌ يشبهُ صوتًا
ضاعَ صداهُ في مهبّ الريح.
السكونُ أيضًا
ليس فارغًا كما نحسب،
إنّه مشحونٌ بأرواحٍ
تتكثّفُ ثانيةً
حين نغمضُ أعينَنا.
هناك جدارٌ
في قاع الذاكرة،
لكنّ الشقوقَ الأولى
تتّسعُ دائمًا.
وحدها الأشجارُ
تفهمُ لماذا
تسقطُ الأوراقُ دون صراخ،
وتنزعُ الفصولُ ثيابَها فوق المدى،
ولماذا
كلُّ دروبِ العودة
تتحوّلُ إلى سراب،
كلّما ظننّا أنّنا وصلنا.
في الزاويةِ المنسيّة،
كان الضوءُ يلملمُ أطرافَه الأخيرة
كلّما مالَ سقفُ الغروب،
والنوافذُ التي بكتْ ذاتَ شتاء
ما زالت تحتفظُ برطوبةِ الوداع،
كأنّ غيمةً مرّتْ من هنا،
ونسيت أن تذرفَ دمعَها
لعشبٍ ينتظرُها منذ نيسان.
على الرصيف،
خطوةٌ تركَها الراحلون،
وأملٌ يربضُ ككلبٍ حارسٍ
فوق ذكرياتٍ
لم تعد تصدّقُ وعدًا.
الذين ابتعدوا
تركوا ضحكاتِهم عالقةً في الزوايا،
ومضوا صامتين،
كأنّ الأسطورةَ لم تُكتبْ لأجلهم.
في الأفق،
شيءٌ يمتنعُ دائمًا عن الوضوح،
شيءٌ يشبهُ حلمًا
غرقَ في شرودِ المساء.
هناك بئرٌ
في منتصفِ الروح،
لكنّ الدلوَ الوحيدَ
صدئٌ...
ولا يصل.
تعليق