ملتقى الأدب والمبدعين العرب المثبت

صدى على حافة النسيان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • المختار محمد الدرعي
    مستشار أدبي. نائب رئيس ملتقى الترجمة
    • 15-04-2011
    • 4259

    صدى على حافة النسيان


    في الممرّ الأخير،
    كان الصمتُ يجمعُ أطرافَه
    كلّما سقطت وريقةٌ من العتمة،
    والجدرانُ التي شهدت همسَ الأمس
    ما زالت تحتفظُ بالأصداءِ،
    كأنّ يدًا امتدّت لترسمَ الأثر،
    ثمّ ذابت في العدم.

    على الرفوف،
    دفترٌ نسيه غريب،
    وحبرٌ جفّ،
    وأجسادُ كلماتٍ مرميّةٌ على بياض،
    تحاولُ أن تقرأَ نفسها.

    الذين غادروا
    تركوا خطواتِهم معلّقةً على العتبات،
    ومرّوا خفافًا،
    كأنّ الظلَّ لم يكن يقبلُ أن يحملَهم.

    في الندى،
    شيءٌ يتسرّبُ ببطءٍ من العشب،
    شيءٌ يشبهُ صوتًا
    ضاعَ صداهُ في مهبّ الريح.

    السكونُ أيضًا
    ليس فارغًا كما نحسب،
    إنّه مشحونٌ بأرواحٍ
    تتكثّفُ ثانيةً
    حين نغمضُ أعينَنا.

    هناك جدارٌ
    في قاع الذاكرة،
    لكنّ الشقوقَ الأولى
    تتّسعُ دائمًا.

    وحدها الأشجارُ
    تفهمُ لماذا
    تسقطُ الأوراقُ دون صراخ،
    وتنزعُ الفصولُ ثيابَها فوق المدى،
    ولماذا
    كلُّ دروبِ العودة
    تتحوّلُ إلى سراب،
    كلّما ظننّا أنّنا وصلنا.

    في الزاويةِ المنسيّة،
    كان الضوءُ يلملمُ أطرافَه الأخيرة
    كلّما مالَ سقفُ الغروب،
    والنوافذُ التي بكتْ ذاتَ شتاء
    ما زالت تحتفظُ برطوبةِ الوداع،
    كأنّ غيمةً مرّتْ من هنا،
    ونسيت أن تذرفَ دمعَها
    لعشبٍ ينتظرُها منذ نيسان.

    على الرصيف،
    خطوةٌ تركَها الراحلون،
    وأملٌ يربضُ ككلبٍ حارسٍ
    فوق ذكرياتٍ
    لم تعد تصدّقُ وعدًا.

    الذين ابتعدوا
    تركوا ضحكاتِهم عالقةً في الزوايا،
    ومضوا صامتين،
    كأنّ الأسطورةَ لم تُكتبْ لأجلهم.

    في الأفق،
    شيءٌ يمتنعُ دائمًا عن الوضوح،
    شيءٌ يشبهُ حلمًا
    غرقَ في شرودِ المساء.

    هناك بئرٌ
    في منتصفِ الروح،
    لكنّ الدلوَ الوحيدَ
    صدئٌ...
    ولا يصل.
    [youtube]8TY1bD6WxLg[/youtube]
    الابتسامة كلمة طيبة بغير حروف

    ​

  • عمار عموري
    أديب ومترجم
    • 17-05-2017
    • 1313

    #2
    تجربة فريدة تستحق التأمل، تتجلى فيها قدرة الكلمات على مسح غبار الزمن على الذاكرة وإعادة إحياء الذكريات، من خلال الشعر وتحويل مشاعر الحزن والفقد والألم إلى فن.

    مع تحياتي وتمنياتي الجميلة لك، المختار محمد الدرعي.

    تعليق

    • منيره الفهري
      مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
      • 21-12-2010
      • 9910

      #3
      كلمات جميلة جدا و مؤثرة.استمتعت بما قرات.
      شكرا لحضورك الرائع دائما أخي الفاضل و الاديب القدير
      المختار محمد الدرعي
      و من خلالك احيي استاذنا المترجم القدير الذي نفتقده دائما عمار عموري.شكرااا استاذ عمار.

      تعليق

      • منيره الفهري
        مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
        • 21-12-2010
        • 9910

        #4
        أما القصيدة فهي عميقة ومثقلة بالحنين؛ كأنها تمشي بنا في ممرات الذاكرة، حيث لا يختفي الراحلون تمامًا، بل يتركون ظلالهم معلّقة في الروح. نصّ جميل وموجع في آنٍ واحد.
        شكرا لهذا الجمال الفاضل المختار محمد الدرعي

        تعليق

        • أحمد الكاتب
          admin
          • 11-07-2024
          • 95

          #5
          تغوص قصيدة "صدى على حافة النسيان" للشاعر المختار محمد الدرعي في عوالم الشجن الوجودي واستحضار الأطياف، متخذة من أروقة الذاكرة مسرحاً حياً لتتبع آثار الراحلين وانكسارات الزمن. تبدأ رحلة النص عبر لوحات بصرية دافئة وساكنة تنطلق من وحشة الممر الأخير وصمت الجدران الحاضنة لأصداء الأمس، مروراً بأطياف من ذابوا في العدم تاركين خلفهم تفاصيل مهملة وخطوات معلقة على العتبات.

          ثم تتسع رقعة التأملات الشعرية لتلامس أسرار الكون والسكون، حيث تتحول لحظات الإغماضة إلى مكثف لأرواح الغائبين، وتتفرد الأشجار بوعي عميق لفلسفة الفصول وتساقط الأوراق بلا صراخ، بينما تتهاوى دروب العودة شيئاً فشيئاً لتصبح سراباً يراوغ ظنون الساعين. ويمتد حبل الوجد حتى يصل إلى الزوايا المنسية حيث يرابط الأمل متعباً كحارس عتيق على تخوم الذكريات، قبل أن يسدل الستر على المشهد بخاتمة مجازية بالغة التأثير عن بئر تبتلعها الروح ودلو صدئ تخذله حباله عن بلوغ المبتغى، لتلخص القصيدة ببراعة عمق المأساة الإنسانية في عجز وسائل الوصل عن إدراك ما تبتغيه.

          تعليق

          يعمل...
          X