كتاب 48 قانوناً للسطوة للكاتب روبرت غرين وبترجمة د. هشام الحناوي، يؤكد في قاعدته السادسة أن التواجد في دائرة الضوء هو المحرك الأول للنفوذ؛ فالناس يحكمون على كل شيء بمظهره الخارجي، وما يغيب عن الأعين لا وجود له في حسابات القوة. التواري داخل الحشود الوديعة يسلبك الهيبة ويطمس أثرك، ولذلك فإن السطوة تتطلب الخروج الحاسم عن المألوف ولفت الأنظار بأي ثمن؛ فالشهرة أياً كان مصدرها تولد السطوة، ومهاجمة الناس لك أو التشهير بك يمنحانك حضوراً ووزناً أفضل بكثير من الغرق في التجاهل القاتل الذي يمحو وجودك تماماً.
تتجلى براعة جذب الانتباه في أساليب رائد الاستعراض الأمريكي "ب. ت. بارنوم" الذي أدرك مبكراً أن الحشود كتل يسهل قيادتها نحو الغرائب؛ فاستخدم شحاذاً يحرك قوالب الطوب بانتظام غريب في شوارع نيويورك ليقود الآلاف إلى متحفه، وروّج لمعروضاته بالأساطير كعروس بحر فيجي، بل تعمد مهاجمة معروضاته بنفسه عبر مقالات مجهولة تشكك في حقيقتها لإعادة إشعال فضول الجمهور. يتقاطع هذا المنهج مع سلوك "دوق لوزون" في البلاط الفرنسي الذي فرض حضوره على لويس الرابع عشر بجرأته وغرابة أطواره، ومع نهج "توماس إديسون" في تحويل اختراعاته إلى عروض بصرية مدهشة وسعيه الدائم لاحتكار الأضواء وحرمان منافسه الأكفأ "نيقولا تسلا" من الشهرة، ومع "بيتر آرتينو" الذي بدأ صعوده بمهاجمة كبار رجالات عص وعلى رأسهم البابا ليجبر الجميع على الالتفات إليه.
وفي الشق الآخر من السطوة، يقف الغموض كأقوى أداة لإثارة الرهبة والشغف في عالم أفرط في العقلانية وابتذل كل شيء مألوف؛ فالناس ينقادون بطبيعتهم للمجهول ويستنزفون طاقاتهم في محاولة فك ألغازه وتفسير خطواته غير المتوقعة. هذا السحر هو ما مكّن "مارجريتا زيل" من نسج شخصية "ماتا هاري" الراقصة الشرقية الأسطورية وابتداع أصول خيالية أسرت نخبة أوروبا بأسرها رغم قدراتها الفنية العادية، وهو التكتيك الذي أتقنه المحتال "فيكتور لوستيج" بسلوكه الغريب والمتناقض لإيقاع ضحاياه، واستثمره عسكرياً القائد "هانيبال" حين بلبل عقول الجيش الروماني بإشعال النيران في قرون آلاف الثيران ودفعهم للفرار رعباً أمام مشهد محير لم يجدوا له تفسيراً.
تتطلب إدارة الانتباه صيانة مستمرة تحميك من زوال الأثر؛ فالجماهير تمل سريعاً من الأنماط المعتادة وتتجه لغيرها ما لم تفاجئها بتجديد أسلوبك باستمرار، تماماً كما كان يفعل "بابلو بيكاسو" بكسر توقعات النقاد وتبديل مدارسه الفنية ليبقى ممسكاً بزمام الاهتمام. كما يفيد تعمد الغموض اليومي وإطلاق التلميحات المقتضبة وارتداء الأقنعة المحايدة في خلق هيبة ذاتية تُعجز الآخرين عن قراءتك وتمنحك السيطرة على تحركاتهم ومشاعرهم.
لا يعني الاندفاع نحو الشهرة التهور في كل موقف، فالإفراط في الأكاذيب والغموض قد يرتد عليك بتصنيفك كمحتال خطر، وهو ما عجل بالنهاية المأساوية لماتا هاري. كما يبرز الخطر الأكبر عند محاولة منافسة من هم أعلى منك مقاماً أو خطف الأضواء منهم عمداً؛ فالجشع المكشوف للانتباه يظهر صاحبه وضيعاً ومهزوزاً، تماماً كما فعلت "لولا مونتيز" حين حاولت سرقة انتباه الحضور من الملكة فيكتوريا في المسرح، فقوبلت بنبذ المجتمع الإنجليزي وانهيار مكانتها. الحكمة تقتضي معرفة متى تُظهر نفسك متألقاً، ومتى تنحني وتتراجع إلى الظلال احتراماً لحضور أصحاب النفوذ الراسخين

تتجلى براعة جذب الانتباه في أساليب رائد الاستعراض الأمريكي "ب. ت. بارنوم" الذي أدرك مبكراً أن الحشود كتل يسهل قيادتها نحو الغرائب؛ فاستخدم شحاذاً يحرك قوالب الطوب بانتظام غريب في شوارع نيويورك ليقود الآلاف إلى متحفه، وروّج لمعروضاته بالأساطير كعروس بحر فيجي، بل تعمد مهاجمة معروضاته بنفسه عبر مقالات مجهولة تشكك في حقيقتها لإعادة إشعال فضول الجمهور. يتقاطع هذا المنهج مع سلوك "دوق لوزون" في البلاط الفرنسي الذي فرض حضوره على لويس الرابع عشر بجرأته وغرابة أطواره، ومع نهج "توماس إديسون" في تحويل اختراعاته إلى عروض بصرية مدهشة وسعيه الدائم لاحتكار الأضواء وحرمان منافسه الأكفأ "نيقولا تسلا" من الشهرة، ومع "بيتر آرتينو" الذي بدأ صعوده بمهاجمة كبار رجالات عص وعلى رأسهم البابا ليجبر الجميع على الالتفات إليه.
وفي الشق الآخر من السطوة، يقف الغموض كأقوى أداة لإثارة الرهبة والشغف في عالم أفرط في العقلانية وابتذل كل شيء مألوف؛ فالناس ينقادون بطبيعتهم للمجهول ويستنزفون طاقاتهم في محاولة فك ألغازه وتفسير خطواته غير المتوقعة. هذا السحر هو ما مكّن "مارجريتا زيل" من نسج شخصية "ماتا هاري" الراقصة الشرقية الأسطورية وابتداع أصول خيالية أسرت نخبة أوروبا بأسرها رغم قدراتها الفنية العادية، وهو التكتيك الذي أتقنه المحتال "فيكتور لوستيج" بسلوكه الغريب والمتناقض لإيقاع ضحاياه، واستثمره عسكرياً القائد "هانيبال" حين بلبل عقول الجيش الروماني بإشعال النيران في قرون آلاف الثيران ودفعهم للفرار رعباً أمام مشهد محير لم يجدوا له تفسيراً.
تتطلب إدارة الانتباه صيانة مستمرة تحميك من زوال الأثر؛ فالجماهير تمل سريعاً من الأنماط المعتادة وتتجه لغيرها ما لم تفاجئها بتجديد أسلوبك باستمرار، تماماً كما كان يفعل "بابلو بيكاسو" بكسر توقعات النقاد وتبديل مدارسه الفنية ليبقى ممسكاً بزمام الاهتمام. كما يفيد تعمد الغموض اليومي وإطلاق التلميحات المقتضبة وارتداء الأقنعة المحايدة في خلق هيبة ذاتية تُعجز الآخرين عن قراءتك وتمنحك السيطرة على تحركاتهم ومشاعرهم.
لا يعني الاندفاع نحو الشهرة التهور في كل موقف، فالإفراط في الأكاذيب والغموض قد يرتد عليك بتصنيفك كمحتال خطر، وهو ما عجل بالنهاية المأساوية لماتا هاري. كما يبرز الخطر الأكبر عند محاولة منافسة من هم أعلى منك مقاماً أو خطف الأضواء منهم عمداً؛ فالجشع المكشوف للانتباه يظهر صاحبه وضيعاً ومهزوزاً، تماماً كما فعلت "لولا مونتيز" حين حاولت سرقة انتباه الحضور من الملكة فيكتوريا في المسرح، فقوبلت بنبذ المجتمع الإنجليزي وانهيار مكانتها. الحكمة تقتضي معرفة متى تُظهر نفسك متألقاً، ومتى تنحني وتتراجع إلى الظلال احتراماً لحضور أصحاب النفوذ الراسخين


تعليق