المتحورون اللطفاء
قال له سائح أميركي واصفاً مدينة كامبرج "مدينة ترى السماء في كل بقعة فيها". يبدو أن السائح يقارن المدينة بنيويورك حيث لا تجد بناية واحدة بطوابق قليلة ، كل البنايات شاهقة. في كامبرج المبنى الوحيد بطوابق متعددة ذلك الوقت كان مستشفى "نيو أدنبروك" وما عداه أبنية بطابقين على الأغلب. يتوسط المدينة نهر "كام" ذو المياه غير الصافية التي يسبح فها "بط الملكة". ينسبون البط للملكة لأنه لا صاحب له ويرعاه الجميع. لاحظ أن زميلة له تطعم أناث البط ذوات اللون البني الفاتح. قالت له مفسرة :"هؤلاء السياح "الأغبياء" يطعمون الذكور فقط لأن ريشها بألوان زاهية. وسميت كامبرج بإسم النهر الذي يتوسطها ويبدو أنها كانت في يوماً ما جسراً فقط فسميت " جسر كام" أو "كام برج"بالإنكليزية.
في وسط المدينة مسرح قديم لا يتذكر إسمه حيث مضى أكثر من أربعة عقود من السنين منذ أن ودعه. يعرض في المسرح كل ما هو قديم من أمثال أعمال شكسبير. أما الرواد فهم غرباء بزيهم ، ترى النساء يسحبن ذيول ملابسهن الطويلة من خلفهن ويرتدين قفازات بيض وقبعات تراثية. وعلى هؤلاء الرواد، لكي يصلوا الى المسرح، أن يمروا قرب ساحة صغيرة يسمونها ساحة السوق " ماركت سكوير" لأنها تقع قرب سوق شعبي صغير ربما يفتح في يوم أو يومين من أيام الأسبوع. في هذه الساحة نافورة صغيرة يحيط بها سياج من الإسمنت ربما الطابوق ،لا يتذكر. يتخذ هذا السياج مقعداً بعض من الشباب الغرباء كغرابة رواد المسرح بأزياءهم. لكن أولئك يوغلون بالقدم وهؤلاء يتقدمون بالحداثة. ملابسهم ضيقة بعضها من الجلد. وبعضهم يلف الخصر بسلاسل معدنية. أما شعر الشبان والشابات فهو أكثر غرابة. يظهر الشعر لبعضهم كعرف ديك مصبوغ بألوان زاهية. قد تجد القرمزي والأصفر والوردي بل وكل لون يمكنك أن تتخيله. ومع غرابة هؤلاء لكنهم خيبوا توقعاته كلها. كان يتصور أنهم أشرار يتشاجرون ويضرب بعظم بعضاً. لا يتذكر أنه سمع أصواتهم يوماً رغم أنه راقبهم بفضول لمرات عديدة. كان يبتسمون لبعضهم يهمسون بهدوء بل أن بعظهم يجلس صامتاً. لا بد أن يكون هؤلاء من العاطلين عن العمل الذين تتحدث عنهم المعارضة. هو لم يجد أحد منهم بين طلبة الجامعة بل لم ير أحدهم بائعاً في محل أو سائقاً لمركبة أو قطار.
هولاء المتحورون لا يصنعون التاريخ في كامبرج. هم هامشيون غير مؤثرين. هناك غيرهم يصنع الأحداث. في مركز البحوث الطبية ،الذي ينجز بحثه فيه وهو يجاور المستشفى، في هذا المبنى أربعة من حملة جائزة نوبل. ربما غادر بعضهم المبنى أو مات بعضهم لكنه قابل أحدهم هو "سيزار ملشتاين" الذي حصل على جائزة نوبل عام 1985. من سكنة كامبرج أيضا " سير وليم سنكلير" الذي منحنته الملكة لقب "سير" لأنه إخترع التلفاز الصغير الذي أسموه وقتها "تلفاز الجيب". وفيها سياسيون كثر أمثال شيري وليم وتوني بن رئيس حزب العمال وغيرهما من حزب العمل وحزب المحافظين. وهكذ فأن المدينة تعيش بثرائها البشري، بناة ومتفرجون.
عاد بعد منتصف الليل من حفلة ماشياً الى سكنه. كانت الحفلة وسط المدينة ويسكن هو في جنوب المدينة قرب المستشفى الذي ينجز فيه بعضاً من دراسته. وجد هذا السكن بالصدفة، بل وجدته زميلة له. قبل مرحلة الأنترنيت كانت تعرض الإعلانات في لوحات. لاحظت شيلا الإعلان وسحبت الورقة حتى لا يراها طالب إستئجار غرفة غيره. ذهب لصاحبة البيت ويا لدهشته. كان البيت قصراً ولصاحبته خادمة قدمتها له على أنها مساعدتها وعرف لاحقاً أن صاحب البيت طبيباً. إكتشف لاحقاًً أن بعض الأغنياء الإنكليز يعرضون بعض غرف بيوتهم الفارهة للإيجار ليبعدو الوحشة عن البيوت الكبيرة وليكون "الزبون الجديد" حارساً للبيت من حيث لا يشعر. ومع أن الحفلة لم تنته لكنه قرر أن يغادر. لا يتذكر لماذا لم يستأجر سيارة أجرة ولكن على الأغلب كان السبب ليوفر ماله القليل لأمور أخرى. كان الشارع الرئيس الذي سلكه ماشياً من وسط المدينة الى طرفها الجنوبي، حيث يسكن، كان الشارع نصف مظلم وخال من المارة. لاحظ أن إثنين يسيران بالإتجاه المعاكس لسيره. لا بأس من ذلك طالما كانا في الجانب الآخر من الشارع. وفجأة عبرا الشارع وبدءا بالسير نحوه. لابد أن ضربات قلبه بدأت بالتسارع وكان شبه واثق أنه سيخسر المعركة. هو لا يحسن العراك بأي حال من الأحوال. قال لابد أن يكون هؤلاء من العاطلين مثيري المشاكل وسوف يتسليان بالإعتداء عليه عندما يكتشفان أجنبية إنتماءه من أول جملة ينطقها. كانا على بعد أمتار منه عندما إكتشف أنهما شاب وشابة. قل خوفه بعض الشيء. توقف الشاب هادءاً بمكانه وتقدمت نحوه الفتاة. حيته بلطف وقالت " هل يمكن أن تعطيني سيكارة؟". في قريته كان لا يدخن ولكن حينما وصل الى دار الإفرنجة ووجد كيف أن الشباب في الحفلات يتعاطون الكحول ويدخنون. ولكي لا يبدو غارقاً في الغرابة قرر أن يدخن ولا بأس أن يستمر بشرب العصائر في جلسات تسودها الخمور. تلمس علبة سكائره، قدم لها سيكارة وأشعلها لها كما يقتضى حال تعامل "الجنتلمان". ثم تجاوزها وتقدم نحو رفيقها الذي لا زال متسمراً بمكانه وقدم له سيكارة. كان الجواب فوراً : " أوه لي أيضا! شكراً".
مر على هذه الحادثة أكثر من أربعين عاما لكنه يرى الآن أن أولئك المتحورين أكثر سلمية من العديد من أبناء قريته ممن يتظاهرون بالورع.
قال له سائح أميركي واصفاً مدينة كامبرج "مدينة ترى السماء في كل بقعة فيها". يبدو أن السائح يقارن المدينة بنيويورك حيث لا تجد بناية واحدة بطوابق قليلة ، كل البنايات شاهقة. في كامبرج المبنى الوحيد بطوابق متعددة ذلك الوقت كان مستشفى "نيو أدنبروك" وما عداه أبنية بطابقين على الأغلب. يتوسط المدينة نهر "كام" ذو المياه غير الصافية التي يسبح فها "بط الملكة". ينسبون البط للملكة لأنه لا صاحب له ويرعاه الجميع. لاحظ أن زميلة له تطعم أناث البط ذوات اللون البني الفاتح. قالت له مفسرة :"هؤلاء السياح "الأغبياء" يطعمون الذكور فقط لأن ريشها بألوان زاهية. وسميت كامبرج بإسم النهر الذي يتوسطها ويبدو أنها كانت في يوماً ما جسراً فقط فسميت " جسر كام" أو "كام برج"بالإنكليزية.
في وسط المدينة مسرح قديم لا يتذكر إسمه حيث مضى أكثر من أربعة عقود من السنين منذ أن ودعه. يعرض في المسرح كل ما هو قديم من أمثال أعمال شكسبير. أما الرواد فهم غرباء بزيهم ، ترى النساء يسحبن ذيول ملابسهن الطويلة من خلفهن ويرتدين قفازات بيض وقبعات تراثية. وعلى هؤلاء الرواد، لكي يصلوا الى المسرح، أن يمروا قرب ساحة صغيرة يسمونها ساحة السوق " ماركت سكوير" لأنها تقع قرب سوق شعبي صغير ربما يفتح في يوم أو يومين من أيام الأسبوع. في هذه الساحة نافورة صغيرة يحيط بها سياج من الإسمنت ربما الطابوق ،لا يتذكر. يتخذ هذا السياج مقعداً بعض من الشباب الغرباء كغرابة رواد المسرح بأزياءهم. لكن أولئك يوغلون بالقدم وهؤلاء يتقدمون بالحداثة. ملابسهم ضيقة بعضها من الجلد. وبعضهم يلف الخصر بسلاسل معدنية. أما شعر الشبان والشابات فهو أكثر غرابة. يظهر الشعر لبعضهم كعرف ديك مصبوغ بألوان زاهية. قد تجد القرمزي والأصفر والوردي بل وكل لون يمكنك أن تتخيله. ومع غرابة هؤلاء لكنهم خيبوا توقعاته كلها. كان يتصور أنهم أشرار يتشاجرون ويضرب بعظم بعضاً. لا يتذكر أنه سمع أصواتهم يوماً رغم أنه راقبهم بفضول لمرات عديدة. كان يبتسمون لبعضهم يهمسون بهدوء بل أن بعظهم يجلس صامتاً. لا بد أن يكون هؤلاء من العاطلين عن العمل الذين تتحدث عنهم المعارضة. هو لم يجد أحد منهم بين طلبة الجامعة بل لم ير أحدهم بائعاً في محل أو سائقاً لمركبة أو قطار.
هولاء المتحورون لا يصنعون التاريخ في كامبرج. هم هامشيون غير مؤثرين. هناك غيرهم يصنع الأحداث. في مركز البحوث الطبية ،الذي ينجز بحثه فيه وهو يجاور المستشفى، في هذا المبنى أربعة من حملة جائزة نوبل. ربما غادر بعضهم المبنى أو مات بعضهم لكنه قابل أحدهم هو "سيزار ملشتاين" الذي حصل على جائزة نوبل عام 1985. من سكنة كامبرج أيضا " سير وليم سنكلير" الذي منحنته الملكة لقب "سير" لأنه إخترع التلفاز الصغير الذي أسموه وقتها "تلفاز الجيب". وفيها سياسيون كثر أمثال شيري وليم وتوني بن رئيس حزب العمال وغيرهما من حزب العمل وحزب المحافظين. وهكذ فأن المدينة تعيش بثرائها البشري، بناة ومتفرجون.
عاد بعد منتصف الليل من حفلة ماشياً الى سكنه. كانت الحفلة وسط المدينة ويسكن هو في جنوب المدينة قرب المستشفى الذي ينجز فيه بعضاً من دراسته. وجد هذا السكن بالصدفة، بل وجدته زميلة له. قبل مرحلة الأنترنيت كانت تعرض الإعلانات في لوحات. لاحظت شيلا الإعلان وسحبت الورقة حتى لا يراها طالب إستئجار غرفة غيره. ذهب لصاحبة البيت ويا لدهشته. كان البيت قصراً ولصاحبته خادمة قدمتها له على أنها مساعدتها وعرف لاحقاً أن صاحب البيت طبيباً. إكتشف لاحقاًً أن بعض الأغنياء الإنكليز يعرضون بعض غرف بيوتهم الفارهة للإيجار ليبعدو الوحشة عن البيوت الكبيرة وليكون "الزبون الجديد" حارساً للبيت من حيث لا يشعر. ومع أن الحفلة لم تنته لكنه قرر أن يغادر. لا يتذكر لماذا لم يستأجر سيارة أجرة ولكن على الأغلب كان السبب ليوفر ماله القليل لأمور أخرى. كان الشارع الرئيس الذي سلكه ماشياً من وسط المدينة الى طرفها الجنوبي، حيث يسكن، كان الشارع نصف مظلم وخال من المارة. لاحظ أن إثنين يسيران بالإتجاه المعاكس لسيره. لا بأس من ذلك طالما كانا في الجانب الآخر من الشارع. وفجأة عبرا الشارع وبدءا بالسير نحوه. لابد أن ضربات قلبه بدأت بالتسارع وكان شبه واثق أنه سيخسر المعركة. هو لا يحسن العراك بأي حال من الأحوال. قال لابد أن يكون هؤلاء من العاطلين مثيري المشاكل وسوف يتسليان بالإعتداء عليه عندما يكتشفان أجنبية إنتماءه من أول جملة ينطقها. كانا على بعد أمتار منه عندما إكتشف أنهما شاب وشابة. قل خوفه بعض الشيء. توقف الشاب هادءاً بمكانه وتقدمت نحوه الفتاة. حيته بلطف وقالت " هل يمكن أن تعطيني سيكارة؟". في قريته كان لا يدخن ولكن حينما وصل الى دار الإفرنجة ووجد كيف أن الشباب في الحفلات يتعاطون الكحول ويدخنون. ولكي لا يبدو غارقاً في الغرابة قرر أن يدخن ولا بأس أن يستمر بشرب العصائر في جلسات تسودها الخمور. تلمس علبة سكائره، قدم لها سيكارة وأشعلها لها كما يقتضى حال تعامل "الجنتلمان". ثم تجاوزها وتقدم نحو رفيقها الذي لا زال متسمراً بمكانه وقدم له سيكارة. كان الجواب فوراً : " أوه لي أيضا! شكراً".
مر على هذه الحادثة أكثر من أربعين عاما لكنه يرى الآن أن أولئك المتحورين أكثر سلمية من العديد من أبناء قريته ممن يتظاهرون بالورع.
تعليق