النظير
"حين ترتفع يده صوب وجهه بأناة، لست تدري إن كان سيعدّل نظّاراته ذات العدسات العسليّة، أم سيعيد تحت أذنه خصلة من شعره الرّماديّ المجعّد، أم سيدفع كرتي القطن التي يسدّ بها أنفه أعمق. و رغم الدّاء الذي استقرّ في رئتيه، و بلوغه سنّا متقدّمة تختُل الفراسة و ترتسم فيها جليّا على أهداب الرّجال المغامرين ظلال من العصيان و الإذعان معا، إلاّ أنّه كان يحافظ على بقيّة وسامة."رسم ملامح شخصية معينة بهذه الدقة قد يتطلب منا بعض الفلسفة وقليل من المنطق وكثير من علم النفس، هذا بالإضافة إلى المهارة اللغوية والأدبية بالتأكيد والتي ظهرت واضحة في نص كبير كهذا.
فنحن هنا أما شخصية هادئة، مستقرة نفسيا، محط للأنظار- حتى لو كانت وجهة نظر شخص واحد- قد نال منه الزمن وأنهكه المرض وظهرت عليه علامات توحي أنه في انتظار محطة أخيرة، إلا أن الزمن لم ينل بعد من عقله، بل زاده حنكة وبعض دهاء.
من هذا الرجل؟وكيف كان ماضيه الذي رسم تلك الملامح وخط تلك التجاعيد التي رسمت ملامح شخصيته؟
"بالعودة إلى الوراء هبط جبريل في المطار قبل سنتين من أوّل لقاء جمعه بصفوان."
"بالعودة إلى الوراء" الانتقال من الحاضر إلى الماضي سريعا وبطريقة جميلة وظهور شخصيتين في آن واحد" جبريل" و "صفوان" واللقطة كانت في المطار، وقبل سنتين من اللقاء.
هل للأسماء دلالة معينة عند الكاتب؟ ما القيمة للقاء قد يجمع هذا بذاك؟
"يومها لم يكن بانتظاره أحد، بدا له الكون بأسره يترقّب تلك الآونة ليضحك. وراوده شعور بأنّه مُذَنَّب هرم يُنقع في المحيط."
"لم يكن بانتظاره أحد" عقدة نفسية يواجهها ونواجهها معه، أن يعود ولا يجد من ينتظره. كم هو شعور مؤلم. كمية التراجع والإحباط التي قد تصيبه عندما تسيطر عليه تلك الفكرة الرهيبة في أن الكون بأسره سيسخر منه تكفي بأن تهدم كل فن وإبداع. تكفي بأن تجعل حجمه يتضاءل الى حيث يقودنا التشبيه الرائع" مذنب هرم ينقع في المحيط".
"رحلته الكونيّة شارفت على نهايتها، مع ذلك قرّر ترتيب احتضار فنّيّ يليق بطواف طويل عنيد."
"قرر ترتيب احتضار فني يليق" يالواقعية تلك الشخصية رغم عنادها وصمتها ورقيها في استسلامها. ويالروعة هذا التصوير. وربما تقودنا إلى أن هذه الشخصية تصر على أن ترسم ملامح حياتها بنفسها حتى في لحظاتها الأخيرة.
"استأجر لذلك شقّة في العاصمة بأحد الأحياء الرّاقية. ارتاد أفخر النّزل."
" شقة في العاصمة" "أحياء راقية" "أفخر النزل"
بدا لي وكأن هذا الرجل يعرف سر نفسه، ويعرف كيف السبيل إلى رضاها وهى تحتضر، كأنه يعرف مسبقا أنه سيموت قريبا.
"زار المعارض. لكنّه أبدا لم يحاول لفت الانتباه إليه أو حتّى الخوض في مجال الفنّ. أنفق المبلغ الضّئيل الذي بحوزته."
جميلة هذه الجملة وهذا الإصرار الغريب والعجيب من هذا الرجل في محاولتة عدم لفت الانتباه إليه رغم عشقه للفن والمعارض
"دام احتضاره النّاعم سنتين و لم يمت"
رائعة هذه الجملة وما توحي به من دلالة.
"الطّير الحرّ لا يقع على الجيفة. هكذا يقول أبوه."
أعجبتني فلسفة هذا الرجل في الحياة والتي ورثها عن أبيه.
ربما كان عليّ أن أكتفي لأسباب كثيرة منها رغبتي في عدم إغلاق النص.
لكن أود أن أشير إلى جملة أستوقفتني كثيرا:
"لا سبيل لكسر الباب بتاتا..لا نريد مشاكل من أيّ نوع."
والتي عندها تلتقي فكرة" الكاكاو" والنسكافيه" و " النظير" الذي يسكننا أو يحوم حولنا.
- عليه أن يكتفي بقلي الكاكاو...".
- الطّلاء، بــ "النّسكافيه" الأصليّ..
أعتقد أن محور النص كان بين الجملتين السابقتين.
النص رائع واللغة هادئة جميلة والسرد سلس والوصف كان ما بين البسيط والمركب. وأعجبتني براعتك في الانتقال من الحاضر إلى الماضي ثم إلى الحاضر مرة أخرى بطريقة جميلة مشوقة.
تحياتي لك ولإبداعك وللفكرة التي تؤصل لها والقيمة التي تسلط عليها الضوء.
دام إبداعك عزيزي محمد فطومي.
اترك تعليق: