الرواية بين الفن والعبث

تقليص
X
تقليص
  •  

  • الرواية بين الفن والعبث



    في السنوات الأخيرة بدأت تطفو على السطح ظاهرة تستحق التوقف عندها طويلاْ وهي موجة متسارعة من الأشخاص الذين اقتحموا عالم الرواية دون امتلاك الحد الأدنى من أدوات هذا الفن حتى أصبحت كلمة روائي تُستخدم أحياناْ بخفة تثير الاستغراب وكأن كتابة الرواية أمر يمكن ممارسته بمجرد الرغبة في الظهور أو البحث عن مساحة للشهرة.
    المشكلة هنا ليست في انتشار الرواية ولا في كثرة الكتّاب فالأدب الحقيقي لا يخشى المنافسة والرواية كانت دائماْ واحدة من أعظم الفنون الإنسانية وأكثرها قدرة على فهم الإنسان والمجتمع وتحولاته لكن ما يحدث اليوم مختلف تماماْ لأننا أمام ظاهرة بدأت تشوّه صورة الرواية ذاتها وتحول هذا الفن العميق إلى مساحة مفتوحة لكل من أراد أن يرتدي عباءة المثقف دون جهد معرفي حقيقي.
    فالرواية ليست كلمات مرصوصة ولا قصة عاطفية طويلة ولا خواطر متفرقة يتم تمديدها على مئتي صفحة. الرواية بناء أدبي معقد يحتاج إلى ثقافة واسعة وخبرة بالحياة وقدرة على تحليل النفس البشرية وفهم للمجتمع وإدراك عميق للغة والإيقاع والسرد والشخصيات. ولهذا لم يصبح كبار الروائيين أسماء خالدة من فراغ بل لأنهم امتلكوا مشروعاْ معرفياْ وإنسانياْ سبق الرواية نفسها.
    أما اليوم فأصبح بعض الداخلين إلى هذا المجال يتعاملون مع الرواية وكأنها أقصر الطرق إلى صناعة الاسم الشخصي. شخص لا يملك مشروعاْ فكرياْ ولا تجربة معرفية ولا قدرة على كتابة مقال متماسك ثم يفاجئ الناس بإعلان روايته الجديدة وكأن الرواية باب للهروب من ضعف التكوين الثقافي لا فن يحتاج إلى نضج طويل وصبر ومعرفة.
    والأخطر من ذلك أن بعض دور النشر ساهمت بصورة مباشرة في تضخم هذه الظاهرة فبدل أن تقوم بدورها الثقافي في فرز الأعمال الجادة ودعم المواهب الحقيقية أصبحت أحياناْ تتعامل مع الرواية بمنطق تجاري بحت المهم أن يدفع الكاتب تكلفة الطباعة أو يمتلك عدداْ جيداْ من المتابعين في وسائل التواصل أما جودة النص وقيمته الفنية فليست دائماْ أولوية كما ينبغي أن تكون.
    ومع الوقت بدأت الساحة تمتلئ بأعمال ضعيفة هشة تفتقر إلى أبسط مقومات الرواية لكنها تُقدَّم للناس على أنها إنجازات أدبية والأسوأ أن بعض القراء الجدد قد يظنون أن هذا هو الشكل الحقيقي للرواية فتتشكل ذائقتهم الأدبية على نصوص فقيرة لا تحمل عمقاْ فكرياْ ولا قيمة فنية حقيقية.
    إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في ضعف بعض الأعمال بل في تحويل الرواية نفسها إلى مادة للسخرية والاستهلاك السريع بعد أن كانت رسالة أدبية وفكرية عظيمة لا تقل أهمية عن بقية العلوم والمعارف الإنسانية فالرواية الحقيقية ليست ترفاْ لغوياْ بل وسيلة لفهم الإنسان وكشف تناقضات المجتمع وطرح الأسئلة الكبرى حول الحياة والهوية والمعنى.
    ولهذا فإن الدفاع عن الرواية لا يكون بالمجاملة ولا بالتصفيق لأي نص يُطبع بل بإعادة الاعتبار لقيمة الكتابة نفسها وإدراك أن الفن الحقيقي مسؤولية قبل أن يكون شهرة وأن الكاتب الذي لا يمتلك أدوات الرواية يسيء لهذا الفن أكثر مما يخدمه مهما كثرت حفلات التوقيع والصور الدعائية حوله.
    فليس كل من كتب رواية أصبح روائياْ، كما أن امتلاك القدرة على الطباعة لا يعني امتلاك القدرة على الإبداع. والرواية ستبقى فناْ عظيماْ لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول إلى ملجأ لكل من يبحث عن لقب ثقافي أسرع من بحثه عن المعرفة نفسها.
      لا يمكن إضافة تعليقات.

    المنتديات

    تقليص

    article_tags

    تقليص

    لا توجد كلمات دلالية.

    Latest Articles

    تقليص

    • ما لا يقوله المطر
      بواسطة عبدالحافظ أحمد الجندي
      ...
      27-07-2026, 08:14
    • كرمٌ وفضل
      بواسطة عبدالحافظ أحمد الجندي
      ما أكرمَ الله! يعطي قبل أن يُسأل، ويفتح الأبواب قبل أن تُطرَق، ويهيئ للعبد من أسباب الخير ما لم يخطر له على بال.كم من نعمةٍ نعيشها ولم نطلبها، وكم من بلاءٍ صرفه عنا ولم نشعر به، وكم من أمنيةٍ تأخرت لأنه كان يدخر لنا ما هو أجمل منها.
      في تأخيرٍ ينقذنا، وفي منعٍ يحمينا، وفي ضيقٍ...
      20-07-2026, 17:17
    • بين عبرة الفناء وبشارة الأمل
      بواسطة عبدالحافظ أحمد الجندي
      تسيرُ إلى الفِنا زمرُ
      وتتبـعُ إثـرها أخَـرُ لكم أفنى الردى أمما
      بها ولكم هوت عُصرُ
      هنا كانوا هنا ساروا
      هنا مروا هنا عبروا
      أعند رحليهم أخذوا
      ما شادوا وما عمروا؟
      وهل بكتِ الدُنا أحدا
      أم انّ فؤادَها حجَرُ؟
      هي الدنيا وما زالت
      تراوغُ من بها سُحروا...
      15-07-2026, 21:58
    • علمتني سورة يوسف
      بواسطة عبدالحافظ أحمد الجندي
      علمتني سورة يوسف
      من بين صفحات القرآن الكريم تشرق سورٌ تحمل في آياتها دروسًا لا تنتهي، وتفتح للقلب نوافذ من الحكمة والصبر والأمل.
      سورة يوسف... قصةٌ لم تكن مجرد أحداثٍ مضت، بل كانت مدرسةً إيمانيةً وإنسانيةً تعلّمنا كيف يكون الصبر عند البلاء، والعفو عند المقدرة، والثقة...
      09-07-2026, 22:04
    • خواطر
      بواسطة عبدالحافظ أحمد الجندي
      أجمل شيء أن تعيش هذه الحياة من أجل إسعاد الآخرين ولو كان ذلك على حسابك فلا تندم على خير أسديته لغيرك ولو لم تلق حتى كلمة طيبة وأجمل ما في الماضي أنه انقضى وذهب ولم يعد منه إلا الذكرى
      وأجمل ما في الحاضر أننا لا نشعر بقيمته إلا إذا انقضى و صار ماضيا
      وأجمل ما في المستقبل أننا لا نعلم ما هو مكتوب لنا فيه
      لذلك عش باليقين وبالأمل وبالحب والتوكل والتفاؤل
      وليكن شعارك دائما " ربي لا أعلم ما تحمله الأيام لي ولكن ثقتي بأنك معي تكفيني "...
      08-07-2026, 09:46
    • الرواية بين الفن والعبث
      بواسطة MOHAMMED ALMRHABI
      في السنوات الأخيرة بدأت تطفو على السطح ظاهرة تستحق التوقف عندها طويلاْ وهي موجة متسارعة من الأشخاص الذين اقتحموا عالم الرواية دون امتلاك الحد الأدنى من أدوات هذا الفن حتى أصبحت كلمة روائي تُستخدم أحياناْ بخفة تثير الاستغراب وكأن كتابة الرواية أمر يمكن ممارسته بمجرد الرغبة...
      25-05-2026, 00:32
    يعمل...
    X